الروح والموت الجزء الثاني
 

  الشبكة العالمية موقع الإشراق

 

Home المدخل
Up فوق
الروح والموت الجزء الأول
الروح والموت الجزء الثاني
الروح والموت الجزء الثالث
الروح والموت الجزء الرابع

اشترك في مجلة الإشراق

انتساب
إلغاء الانتساب

صمم هذا الموقع

حالات الوعي البشري

في التطور الروحي البشري هناك عدة مراحل تعرف بمستويات الوعي البشري. يعيش الإنسان العادي ضمن ثلاث حالات من الوعي، وهي: النوم والحلم واليقظة. وفي كل حالة من الحالات الثلاث، تكون وظيفة الإنسان مختلفة عن الحالة الأخرى. في حالة النوم يكون العقل غير فاعل والجسم غير فاعل، أما الوعي فيكون منعدماً تماماً، إذ لا يستطيع الإنسان أن يدرك أي شيء خلال النوم، حتى أنه لا يدرك بأنه نائم. وفي حالة الحلم يكون العقل فاعل، ويفكّر أفكار الحلم، ولكن الجسم غير فاعل، أما الوعي فهو منحصراً في أفكار الحلم. لا يمكن للإنسان أن يدمج بين أفكار الحلم وأفكار اليقظة خلال الحلم، فهو يختبر حقيقة الحلم المنفصلة والمختلفة تماماً عن حقيقة اليقظة. في حال حلم الإنسان أنه يواجه حيواناً مفترساً، فهو لا يستطيع أن يدافع عن نفسه بالبندقية التي يملكها في البيت، إلا إذا حلم بالبندقية واستخدما في حلمه. هناك انفصال تام بين كل حالة من حالات الوعي. أما في حالة اليقظة فيكون العقل فاعلاً والجسم فاعلاً والوعي مدركاً لما يجري حوله. هكذا نرى أن الإنسان يعيش ضمن ثلاثة حالات من الوعي تسمى بحالات الوعي النسبية. هذه الحالات هي حالات نسبية لأنها لا تستمر بشكل دائم، عندما يدخل الإنسان بأي حالة من الحالات الثلاث، يترك الحالتين الأخيرتين.

الوعي التجاوزي

بالرغم من أن عامة البشر تعيش ضمن حالات الوعي الثلاث، إلا أن العلم قد اكتشف حالة رابعة من الوعي يختبرها الإنسان، وهذه الحالة هي حالة مطلقة ودائمة، يمر فيها الإنسان كلما ذهب عقله الواعي خلف نطاق النشاط الفكري. يختبر الإنسان الحالة الرابعة للوعي بشكل طبيعي كلما انتقل من حالة إلى حالة أخرى من حالات الوعي الثلاث. عندما ينتقل الإنسان من حالة اليقظة ويدخل في حالة النوم، يمر بفراغ بين الحالتين، إن نهاية حالة اليقظة هي غير متصلة ببداية حالة النوم، لم نستطع يوماً أن ندرك كيف أن حالة اليقظة تنتهي وتدخل حالة النوم، هناك فراغ بينهما. هذه هي الحالة الرابعة للوعي، إنها حالة يمر فيها الإنسان بشكل تلقائي. إلا أن الدراسات العلمية المتتابعة حول الحالة الرابعة للوعي قد أظهر أهمية كبيرة للمنافع التي يمكن للإنسان أن يكسبها نتيجة لمروره بهذه الحالة الرابعة. لقد عمل العلماء بكل جهد كي يجدوا الوسيلة التي بها يستطيع الإنسان أن يختبر الحالة الرابعة للوعي، ولكنه عجز عن ذلك. وبسبب عجز العلم الحديث عن إيجاد الوسيلة التي تسمح للإنسان أن يختبر الحالة الرابعة للوعي، لجأ عدد من العلماء المتخصصين وعلى رأسهم الدكتور كيث واليس، إلى العلوم الذاتية القديمة علهم يجدون غايتهم. وكان لقاء مع العالم والحكيم صاحب السمو مهاريشي ماهش يوغي الذي أعاد إحياء العلوم الفيدية الذاتية. كشف مهاريشي لعلماء العلم الحديث، أن الحالة الرابعة للوعي هي ليست سوى حالة التجاوز التي يختبرها المتأمل الذي يمارس تقنيات اليوغا التي تؤدي به إلى تخطي النشاط الفكري والغوص في أعماق النفس والذات. وكشف مهاريشي أيضاً أن العلوم الفيدية التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، تتكلم عن وجد الحالة الرابعة للوعي وعن إمكانية اختبار حالات أخرى للوعي البشري أكثر تطوّراً من الحالة الرابعة للوعي. إن مهاريشي ماهش يوغي هو الذي أطلق التقنية الشهيرة والمعروفة في معظم دول العالم وهي تقنية التأمل التجاوزي التي تسمح للعقل الواعي أن يختبر حالة الوعي الصافي، وهي الحالة التي سماها العلم بالحالة الرابعة للوعي.

حالات الوعي الأسمى

لقد أظهرت الدراسات العلمية أن الحالة الرابعة للوعي هي حالة غير محدودة للطاقة وفيها كل صفات المطلق، وصفات الحقل الموحد كما تشرح عنها علوم الفيزياء الحديثة المعروفة بفيزياء الكم. إن اختبار حالة الوعي الرابعة تسمح للإنسان باكتساب صفات المطلق بشكل تدريجي، وهذا ما يتطلب التمرين الدائم المنتظم للوصول بالعقل الواعي إلى اختبار الوعي الطافي. وفي متابعة هذه التمارين اليومية يستطيع الإنسان أن يثبت في حالة الوعي الصافي المطلقة بشكل متزامن مع حالات الوعي النسبية الثلاث. عند ثبات حالة الوعي الصافي، يكون الإنسان قد خطى الخطوة الأولى في اختبار الحالات الأسمى للوعي. عندما يثبت العقل في الوعي الصافي يكون الإنسان قد أدرك ذاته، وتفتح عقله على أعلى مراتب الإدراك العقلي. في علوم مهاريشي الفيدية، أطلق مهاريشي تسمية الوعي الكوني على هذه الحالة. أي أنها حالة يكون فيها الإنسان قد اكتسب حالة من الشمولية الكونية وإمكانية العيش بنسبة 200% من الحياة، فهو يعيش 100% من الحقل المطلق و100% من الحقل النسبي. وبما أن الحقل المطلق هو أساس الحقل النسبي يكون الإنسان الذي ثبت عقله بالحقل المطلق، الوعي الصافي، قد اكتسب المقدرة على امتلاك كل ما يتواجد في الحقل النسبي.

بعدما يتطور العقل في الوعي الكوني، يتابع الإنسان المتنور طريقه للغوص في أعماق الوجود، فيعمل على تلطيف مشاعره المرهفة، ويتعمق في الوجود المادي ويصل إلى ألطف مستوياته. يصبح الإنسان قادراً على إدراك المستوى السطحي لما حوله وفي نفس الوقت متحسساً أعماق ومشاعر ما حول، إلى أن يصل إدراكه إلى المستوى الذي منه تبدأ الطاقة الإلهية في الظهور في الوجود. وهكذا يكون الإنسان مدركاً للنواحي السطحية والنواحي العميقة على كل درجات عمقها لكل ما حوله. وبذلك يدرك الإنسان المستوى الذي فيه يشاهد الله يتغلغل في كل الوجود، فيذوب قلب الإنسان في العشق الإلهي، ويكون قد دخل في المرحلة الثانية لحالات الوعي الأسمى، التي فيها يكون العقل والقلب قد تطورا، والتي أعطتها علوم مهاريشي الفيدية تسمية الوعي الإلهي، أي الوعي على الله في الوجود.

لكن هذا لا يكون نهاية المطاف. لقد أدرك هذا الإنسان المتطور أن الله في داخله، وأدرك أن الله يتغلغل في الوجود، ولكنه يتابع كي يدرك بأن الله ليس متغلغلاً في الوجود فقط، بل هو أساس الوجود كله، فيدرك الله في داخله، ويدرك تغلغل الله في الوجود ويدك الله في كل عنصر من عناصر الوجود، وفي هذه الحالة من الوعي الذي فيها يكون كل شيء هو الله ويعمل بمشيئة الله ومن أجل الله، يصل الإنسان إلى حالة التوحيد، حالة الأحادية. في هذه الحالة ينقطع العقل عن التأثر بمجريات الأفعال، وتخلص النفس من الانطباعات وتحرر الروح من قيد النفس. هكذا يصل الإنسان إلى نهاية المطاف، ويتوقف كل سعي من أجل التطور، ويعيش في حالة من الغبطة والسعادة، ويصبح الوجود المادي للفرد مجرد إرادة يمددها كما يشاء وينهيها كما يشاء. وعندما يرقد الجسم في النهاية، تغادر روحه هذا الوجود وتعود إلى مصدرها الحقيقي في الحضرة الإلهية، في حقل الخلود الأبدي.


Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي