المعرفة - الجزء الثاني
 

  الشبكة العالمية موقع الإشراق

 

Home المدخل
Up فوق
المعرفة - الجزء الأول
المعرفة - الجزء الثاني
المعرفة - الجزء الثالث
المعرفة - الجزء الرابع

اشترك في مجلة الإشراق

انتساب
إلغاء الانتساب

صمم هذا الموقع

القانون الكامل

من أجل أن يكون القانون كاملاً ويصح في كل مكان وزمان، على واضع القانون أن يتحلى بصفة الكمال. والكمال لله وحده. لذلك على القانون الواجب اعتماده من قبل البشر أن يكون قد أنزل بالهام وإيحاء من الله. ولكن كيف نقول ذلك ونحن في العصر العلمي الذي يتطلب البراهين والإثبات. هناك عدد من الفئات العلمية التي تؤمن بالوجود الإلهي، إلا أن هناك عدداً آخر لا يزال غير قادر على إثبات الوجود الإلهي بالطريقة الموضوعية للمقاربة العلمية. إلا أننا ومن منظار العلم الفيدي نستطيع تأييد العلماء الذين أضافوا المقاربة الذاتية في بحثهم العلمي. هؤلاء العلماء الذين استطاعوا تفسير نظرية دستور الكون بشكل منهجي ومنطقي وتتابعي توصلوا إلى شرح النظام الإلهي الذي به وجد هذا الكون. هذا النظام الإلهي هو ليس سوى القانون الطبيعي الذي منه تنبع جميع قوانين الطبيعة التي تدير جميع المفاصل الدقيقة في الوجود أجمع في هذا الكون غير المتناهي والمترامي الأبعاد.

إن المقاربة الموضوعية للعلم لا تمتلك الأدوات التي تسمح للإنسان أن يتجاوز نطاق المادة. وبما أن الآلة، ومهما كانت ذكية، لا تستطيع أن تدرك كيف تم صنعها. كذلك، لا يستطيع الإنسان، ومهما كان ذكياً، أن يدرك بشكل موضوعي القوانين التفصيلية لوجوده وكينونته. على الإنسان أن يخرج خلف نطاق وجوده الفردي كي يستطيع أن يدرك تركيبته الذاتية، من أجل أن يتجاوز الإنسان وجوده الفردي، عليه أن يعود إلى ذاته، ويحوّل إدراكه من نطاق محدودية عقله الواعي إلى لا محدودية ذاته الكلية وكينونته. عندما يتحول إدراك الإنسان إلى حقل الكينونة والحقل المطلق في داخله، يكسب صفات المطلق، فيصبح هو المطلق المشاهد لذاته، والمطلق هو حقل الله. وبذلك يستطيع الإنسان أن يدرك معرفة الوجود، ومعرفة قوانين الطبيعة بالمقاربة الذاتية، من خلال تفتح إدراكه على الحقل غير المحدود في داخل ذاته. يصبح الإنسان المشاهد لعمل الله في الخليقة، ويصبح مدركاً لقوانين الطبيعة المسيرة للكون. وبإدراكه لقوانين الطبيعة كاملةً، يكسب الإنسان معرفة الوجود التي تؤدي به إلى أن يعيش بانسجام مع جميع قوانين الطبيعة ويعيش الجنة على الأرض. وبادراك الإنسان للقانون الكامل يكون مدركاً للحقيقة المطلقة ومعرفة الوجود.

وسيلة الوصول

تتطلب الحياة بالنعيم والجنة على الأرض، أن يكون الإنسان مدركاً لقوانين الطبيعة، وكي يدرك الإنسان قوانين الطبيعة عليه أن يصحو ويتفتح وعيه على حقل الكينونة في داخل ذاته. وهنا يكمن السؤال الهام: ما هي الوسيلة التي تسمح للإنسان بالوصول إلى ذاته؟

في تحليلنا للعلوم الحديثة، نحن نعرف بأنها لا تزال تبحث في مجال نظام عمل المادة، وبالتالي لا تزال بعيدة كل البعد عن تمكنها من وضع نظاماً يسمح للإنسان، من خلال تطبيقه، أن يصل إلى الكمال. علينا أن نترك العلم الحديث جانباً عندما نتكلم عن الصحوة الذاتية. في حديثنا عن الصحوة الذاتية، علينا أن نعتمد المعرفة الدينية والعلوم والحكم القديمة، إضافة إلى الفلسفات الوجدانية والوجودية. إن أهم ما نعرفه من الديانات هو دعوة الإنسان إلى العمل بمشيئة الله، أي العمل طبقاً للنظام الإلهي، والعمل بانسجام مع قوانين الطبيعة. تدعو الديانات الإنسان أن يفتح وعيه على النظام الإلهي كي يعيش بمشيئة الله. لا بل أكثر من ذلك تدعو الديانات، بما فيها الديانات القديمة، إلى الوصول إلى الحقل الإلهي قبل كل شيء، وبعد ذلك تصبح حياة الإنسان كلها سعادة وهناء وطمأنينة.

تقول الديانات أيضاً، أن الطاقة الإلهية هي في أنفسكم، وتدعوا الديانات إلى أن يدخل الإنسان في أعماق ذاته ليستمد الطاقة الإلهية التي بها يعيش السعادة والطمأنينة. إن كل هذا هو واضح في الديانات، وكذلك يتجه العلم أيضاً في الاتجاه ذاته، فكلما تعمق العلم في داخل المادة يكتشف حقولاً أكثر طاقة وقوة. إن كل هذا هو كلام رائع، ولكن ينقص أن نعرف الوسيلة التي يجب أن نتبعها من أجل الوصول إلى حقل الطاقة الإلهية ونحقق هدف كل الدعوات الدينية. لا بد أن تكون الوسيلة قد كانت معروفة بشكل صحيح مع نشأة الديانات على اختلافها، أي عندما تكون المعرفة في الديانة في أوجها من الوضوح. لكن، ومع مرور الزمن، يبقى ما هو مكتوب من المعرفة الدينية مكتوباً في الكتب، إلا أن وسيلة تحقيق غاية الديانة أي طريقة الممارسة الدينية تبدأ في التغيّر والتحوّل، وهكذا بعد أن يتم كشف الوسيلة بوضوح عند نشأة الديانة، تعود وتضيع تدريجياً إلى أن تأتي الرسالة الجديدة. هذا الضياع لا بد من حدوثه نتيجة لعامل الزمن. وفي تحليلنا للزمن نرى أن دولاب الزمن يدور باستمرار لملايين السنيين. وهكذا سوف تأتي المعرفة ومن ثم تضيع، كي تأتي معرفة أخرى، وأيضاً تضيع بدورها، وتتكرر الرواية الدينية عن الحقيقة الواحدة على مرور الدهر.

قانون القفزة النوعية

تتضمن قوانين الطبيعة قانوناً هاماً، يسمى القفزة النوعية. نحن نستخدم هذا القانون في حياتنا اليومية. فلنأخذ مثلاً: عندما نشتري سيارة جديدة، تكون هذه السيارة بحالة ممتازة وتعمل بجميع وظائفها بشكل تام. وبعد استخدامها لمدة من الزمن تحتاج السيارة إلى نوع من الصيانة، فتتجدد وظائفها ولكنها لا تعود جديدة كما كانت عند شرائها، ولكننا نستمر في استخدمها لمدة أخرى، وأيضاً سوف تحتاج لنوع آخر من الصيانة، وربما تكون صيانتها بشكل أكبر هذه المرة، وأيضاً سوف نعاود استخدامها، وتتكرر العملية إلى أن تصبح السيارة قديمة وكثيرة الأعطال، ما يجلب لنا الشقاء في قيادتها. وهنا نتخذ القرار بتلف السيارة القديمة وشراء سيارة جديدة. هذا هو قانون القفزة النوعية. يعمل قانون القفزة النوعية مع مبدأ الاستمرارية، أي أن يستمر الفرد في اقتناء سيارة، عندما يتلف السيارة القديمة يعود ويشتري سيارة جديدة.

إن قانون القفزة النوعية لا ينطبق على أغراضنا وممتلكاتنا فحسب، بل ينطبق أيضاً على علاقاتنا مع الآخرين وينطبق على مفاهيمنا، وعلى كل شيء نقوم به في حياتنا. وكما ينطبق هذا القانون على مستوى الإنسان، كذلك ينطبق عل مستوى الكون أجمع. فهو ينطبق على الفصول من فصل الربيع إلى فصل الشتاء، بما أن الأرض تدور حول الشمس، فللشمس دوراً أساسياً في حياتنا، لذلك إن إشعاع الشمس في النهار هو ما تحتاجه الطبيعة لتستمر. في فصل الربيع تشع الشمس بشكل أنسب للطبيعة فتعطيها انطلاقة النمو، وفي الصيف تصبح الشمس محرقة، أما في الخريف فتنخفض الحرارة، ولكن الشمس في هذه المرة تلعب دور إزالة ما اكتمل في دورة الطبيعة، أما في الشتاء فتحتجب الشمس وراء الغيوم. ولكن ومع احتجاب الشمس خلال فصل الشتاء، لا يمكن للظلمة أن تسود. لا يسمح النظام الطبيعي للظلمة أن تسود أبداً، فهو يدفع الغيوم للتكتل، ما يسمح للشمس أن تتغلغل بين الكتل وتشع نورها على الأرض. هذا النظام الكوني الذي لا يسمح للحياة أن تضيع، يعمل أيضاً على جميع طبقات الخليقة.
إن ما ينطبق على الفصول، ينطبق أيضاً على حلقات الزمن الكونية من عصر الحقيقية إلى عصر الجهل. كما تتلبد الغيوم في فصل الشتاء وتحجب نور الشمس، كذلك يتعاظم الجهل ويحجب نور المعرفة في عصر كالي يوكا، ولكن النظام الكوني لا يسمح للجهل أن يسود، فيرسل ومضات من المعرفة إلى البشرية كي تحافظ على استمارتيها في عصر الجهل، تماماً كما يتغلغل نور الشمس من بين كتل الغيوم ليعطي الحد الأدنى من الطاقة المطلوبة لاستمرارية الحياة. هذا ما نسميه بالرسائل السماوية أو الكشف لقوانين الطبيعة التي يعتمدها البشر لتسيير أمور حياتهم.

هكذا يعمل قانون القفزة النوعية. عندما يحل عصر الجهل طبقاً للعصور الكونية، لا يسمح النظام الإلهي للجهل أن يسود، فيرسل المعرفة من خلال الأنبياء والرسل كي يهدوا البشرية على الطريق الصحيح، ما يساعد البشر على الاستمرار في حياتهم لحين انتهاء عصر الجهل وبزوغ عصر النور، تماماً كما ينتهي فصل الشتاء ويبدأ فصل الربيع. ينعم الله بالمعرفة على أحد المختارتين، فينير عقله ما يجعله مبشراً بما أنزل الله عليه من وحي. وهكذا تنطلق المعرفة بعد أن تكون قد ضاعت بتأثير عصر الجهل. وتتكرر العملية مرة بعد مرة، وفي كل مرة يأتي رسول جديد ويعطي المعرفة في إطار الزمان والمكان الذي يتواجد فيه.


Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي