المعرفة - الجزء الأول
 

  الشبكة العالمية موقع الإشراق

 

Home المدخل
Up فوق
المعرفة - الجزء الأول
المعرفة - الجزء الثاني
المعرفة - الجزء الثالث
المعرفة - الجزء الرابع

اشترك في مجلة الإشراق

انتساب
إلغاء الانتساب

صمم هذا الموقع

ما هي المعرفة؟

إن المعرفة هي ما يتوجب على الإنسان أن يعرفه من أجل أن يتدبر شؤون حياته ويحقق هدف وجوده. يرتبط هدف وجود الإنسان مع هدف وجود الكون، وإذا عرفنا هدف وجود الكون، نعرف هدف وجود الإنسان. لم يستطع العلم الحديث التوصل إلى معرفة سبب الوجود وهدفه، إلا انه يقر بأن المادة قد وجدت نتيجة لتفاعل الطاقة التي أعطت الذرة ومنها تفاعلت الذرة وأوجدت المادة. إن هذا الشرح العلمي لا يعتبر كافياً بالمقارنة مع ما تقدمه العلوم الذاتية، بما فيها المعرفة الدينية، لذلك لا يمكن اعتماد النظرية العلمية لتحديد هدف الوجود.

تظهر الدراسة التحليلية للعلوم الدينية على اختلافها، بما في ذلك الديانات القديمة، بأن الوجود هو تجلي للطاقة الإلهية. ما معناه، أن الوجود هو انعكاس لله غير الظاهر في المادة الظاهرة، وفي نفس الوقت الله متغلغل في الوجود كله. إذا كان الوجود هو تجلي الله وإظهار مجاله وطاقته، فيكون بذلك هدف الوجود هو إظهاراً للكمال الإلهي في المادة. ومع تحديد هدف الوجود في إظهار الكمال الإلهي في المادة، يكمن هدف الإنسان في السماح للمادة أن تعكس الكمال الإلهي. لقد شرحنا في الفصل السابق المقومات الرئيسية التي بها تحقق الحياة هدفها، ورأينا أن هدف وجود الإنسان في أن يعيش الغبطة والسعادة. لذلك على الإنسان أن يعرف كيف يعيش كمال.

ما هو الكمال؟

إذا نظرنا في العلوم الحديثة نرى أنها استطاعت أن تعطينا بعض التعليمات فيما يتعلق بنواحي معينة من أمور حياتنا، وقد رأينا أن الاكتشافات العلمية والاختراعات قد جلبت الرفاهية للإنسان، إلا أنه لا يوجد من يستطيع أن يقول أن كل هذا التطور العلمي قد جلب الكمال للإنسان. أما، ومن ناحية أخرى، وبمراجعتنا لما تدونه كتب التاريخ والأدب عن الحضارات القديمة، فهي تتحدث عن مراحل من الزمن عاش فيها الإنسان بحياة الجنة على الأرض، وكانت هذه الحياة تعم بالسلام وبالبحبوحة والصحة الخالية من الأمراض. وتترافق مع هذه المعلومات حول الحياة في النعيم، تعاليم وممارسات من أجل التطور الروحاني. لقد كانت كل هذه الكتب التي تذكر الحياة الأفضل التي عاشتها الحضارات القديمة، تربط ذلك بمعرفة روحانية وشعائر دينية كانت تتبعها تلك الحضارات. لا بل أن الديانات السماوية قد ربطت الحياة في الجنة مع التقوى والتطور الروحاني للفرد.

وبدخولنا في التحليل الديني، وأيضاً في تحليل المعتقدات التي اعتمدتها الحضارات القديمة، منها الحضارة اليونانية والفرعونية والإغريقية وحضارات أمريكا القديمة والحضارات الهندية والصينية وغيرها، لوجدنا أن في كل حضارة من هذه الحضارات الكثير من التعاليم التي ترمي إلى التطور الروحي والوصول إلى الله أو إلى التوحد بالطاقة الكونية في المعتقدات القديمة. نحن لا نريد أن ندخل في تقييم الديانات القديمة أو الديانات الحديثة فيما إذا كانت ديانات سماوية أو غير سماوية، بل كل ما نهتم به في مجال بحثنا أن نعرف بأن الإنسان هو تواق دوماً للوصول إلى المقام الأعلى من الوجود، أكان ذلك يعني الوصول إلى الله أو الوصول إلى ما كان إنسان الحضارات القديمة يسميه بالإلوهية. في كلا الحالتين كان الإنسان يبحث عن الوسيلة التي ترفع شأنه ومرتبته. وكما هو المعتقد الآن في الديانات السماوية، كذلك كان المعتقد سائداً في الديانات القديمة، بأن الإنسان الذي يعمل برضا الله، يحمي نفسه من مصاعب الحياة، ويعيش حياة أفضل فيها الطمأنينة والسعادة والرقي.

نجد في التعاليم الدينية والاجتماعية جميعها وفي التقاليد التراثية وأيضاً في العلوم الحديثة، بأن هناك بعض القواعد الواجب اعتمادها من أجل العيش بحياة أفضل. عندما نجد أن هناك بعض الحضارات التي عاشت الجنة على الأرض، نستنتج بأن هذه الحضارات قد اعتمدت أفضل الطرق للوصول إلى ذلك. لذلك، ومن أجل أن نعيش الكمال، علينا أن نعرف الطريقة التي أوصلت من وصل قبلنا إلى الكمال. وبمعرفتنا للطريقة نستطيع أن نعرف الهدف، وبذلك تنكشف أمامنا نقطة الانطلاق وهي وضعنا الحالي، وتنكشف أمامنا الطريق ومنها نعرف الهدف.

الذاكرة والنسيان

بما أن هناك من كان قد عاش الجنة على الأرض، وعرف الطريقة التي بها استطاع أن يتطور كي يعيش الجنة على الأرض، لا بد أن نسأل لماذا فقدت البشرية معرفة الطريقة والتي تجعلنا نعيش الجنة على الأرض في كل جيل. إن السبب الأساسي لفقدان الطريقة هو فقدان الذاكرة. نحن نعلم أن من طبيعة الإنسان أن ينسى، وسبب النسيان يعود إلى عامل الزمن، وعندما ينسى الإنسان يحاول أن يتذكر ما قد نسيه، وبعملية التذكّر، على العقل أن يعيد صياغة ما قد نسيه، وبإعادة الصياغة يتدخل العقل في إعادة تركيب الصورة المنسية، والتذكّر لا يمكن أن يكون مطابقاً للأصل، وهكذا ومن جيل إلى جيل وفي تكرار عملية النسيان والتذكّر، تضعف الحقيقة الأصلية ويدخل فيها ما يضيفه العقل على الصورة المنسية. وهكذا تضيع الحقيقة، ويذهب الإنسان إلى تنظيم حياته فيتدخّل في وضع قوانين جديدة من صنعه، وهنا يدخل عامل آخر وهو الوعي الجماعي الذي له التأثير المباشر على القوانين التي يضعها الإنسان. وبالآراء المختلفة تتضارب القوانين ويصبح القانون المعتمد في مكان ما، يختلف مع القانون المعتمد في مكان آخر. هذا هو وضع القانون الذي يضعه الإنسان. وهنا نقول إذا كان القانون الذي يعتمده الإنسان لا يصح في كل زمان ومكان، فيكون هذا القانون غير كامل، وإذا كان القانون غير كامل فهل يمكن لغير الكامل أن يوصل إلى الكمال. لذلك لا يمكن للقانون الذي يضعه الإنسان أن يتم اعتماده من أجل تحقيق هدف الحياة في أن يعيش الإنسان بالسعادة والغبطة والبحبوحة والنور.


Home المدخل Up فوق Next التالي