|
الآية السادسة عشر
إن اليوغا حقاً هي ليست
لمن يأكل كثيراً ولا لمن
لا يأكل أبداً، يا أرْجونا،
وليست لمن ينام كثيراً
ولا لمن يبقى صاحياً
"يأكل": تشير هاتان الكلمتان إلى إطعام الحواس بمدركاتها. لا يجب إعطاء
الحواس كل ما هو ممتع لها بشكل مفرط إلى حد التخمة، ولا يجب أن تكونوا
محرومة جداً لاختبارها.
"ينام" تعني الحالة التي لا تكون فيها حواس الاختبار نشيطة، في حين تدلّ
كلمة "صاحياً" إلى الحالة المعاكسة. إنها تتضمن هنا إذا خلد الإنسان للنوم
كثيراً أو حافظ على التيقظ كثيراً، عندئذ سيجد صعوبة في الارتفاع فوق حالات
اليقظة والنوم؛ والارتفاع فوقهما هو أمر أساسي جداً ليوغا.
إنه لأمر بديهي ومشترك بأن كلما زاد نقص. حتى الغذاء، الذي هو مصدر الطاقة،
يخلق الخمول وعدم الكفاءة عندما يتم تناولها بكمية كثيرة جداً أو قليلة
جداً. هنا يحذّر المولى من مغبّة الزيادة في كلا الاتجاهين. وفي الحالتين
يصبح العقل خاملاً ويخفق في الوصول إلى الحالات الأدق للاختبار أثناء
التأمل. وببقائه في حقل الاختبار السطحي، يميل إلى الهمود. هذه مضيعة
للوجود البشري الثمين، الذي هو من أجل التوسّع في السعادة وإدراك الحالة
المتكاملة للحياة، حالة التحرر الأسمى التي تم الإشارة إليها في الآية
السابقة.
تدعو الآية الحالية لوضع روتين طبيعي ومريح في الحياة اليومية من أجل
النجاح في ممارسة اليوغا.
الآية السابعة عشر
لمن اعتدل في الغذاء والاستجمام،
واعتدل في الجهد في العمل،
واعتدل في النوم واليقظة،
له اليوغا التي تبدد كل حزن.
هذا هو المبدأ العريض الواجب إتباعه من قبل الفرد الذي يتمنّى عيش حياة
السلام والسعادة الداخلية متكاملة مع النشاط الناجح في العالم الخارجي. يجب
أن يعطى الجسم الراحة التي يحتاج، ويجب أن يلتزم الفرد بالنشاط، لكن ليس
إلى حد حالة الإنهاك. يجب أن يؤخذ الاستجمام بالنسبة المستحقّة، على أن لا
يكون لمدة صغيرة جداً ولا لمدة طويلة جداً. يعني المولى بأنّ الحياة يجب أن
تجري على نحو منتظم، بالمقدار الملائم من النشاط وبإعطاء كلّ شيء قيمته
العادلة. يجب أن يتجنّب الفرد الإفراط في كلّ الأشياء ويكون منتظماً في
التأمل، وسيؤدّي ذلك إلى حالة السلام الداخلي والحرية من العبودية كما تم
وصفها في الآية الخامس عشر.
"اليوغا"، التوحيد، إنها ليست الحالة التي يثبت فيها العقل في الوعي
القدسي. إنها في الوقت ذاته حالة الحياة الفردية حيث تكون كلّ وجهة من أوجه
الكينونة في الانسجام المثالي مع الحياة القدسية ومع الحياة في الطبيعة.
يمكن أن تصبح هذه الحالة دائمة فقط عندما يثقّف الجهاز العصبي الجسدي بما
فيه الكفاية للحفاظ عليها. فيكون العقل، كما هو منصوص في التفسير في الآية
الخامسة عشر، متناغماً مع العقل الكوني، أو ذكاء الله، في حين تكون وظيفة
الجسم قد وضعت ذاتها في التناغم مع وظيفة الطبيعة الكونية. ترتفع الحواس
إلى العلو الكامل من قدرتها، لكي تختبر وتتمتّع بالمدركات على مستوى
المسرحيّة القدسية. لكن من أجل أن يعمل كل من الجسم والأعضاء والحواس
بالطريقة الأكثر طبيعية، و بالتوافق التامّ مع قوانين الطبيعة، من الضروري
جداً أن يكون روتين الحياة معتدلاً، وذلك بكلّ ما يرتبط بالغذاء والنشاط
على أن تبقى ضمن حدود الاعتدال، والحفاظ على خير الأمور أوساطها.
"اعتدل في النوم واليقظة": في معناه العميق يشير هذا التعبير بأنّ الفرد هو
معتدل فقط في حالات النوم واليقظة. هذا يعني بأنّ حالة اليقظة، أي حالة
المعرفة والاختبار للعالم الموضوعي، يتم الحفاظ عليه بشكل أولي بواسطة
الحواس، في حين يكون العقل مدعوماً بشكل أولي بالكينونة. وفي الحالة النوم،
ينسحب الجسم والحواس بالكامل من النشاط لكن العقل لا يؤخذ بالنوم: بالرغم
من أنه منفصل عن كلّ النشاط يبقى مستيقظ في إدراكه. هكذا يكون الفرد قد
"اعتدل في النوم واليقظة" بمعنى أنه لا يستغرق كلياً فيهما.
"اعتدل في الغذاء": من أجل أن يكون الفرد معتدلاً في الغذاء من الضروري
إبقاء الجهاز العصبي بالكامل يعمل بشكل اعتيادي. مع التأمل المنتظم في
الصباح والمساء، يتم المحافظة على وظيفة آلية الجسم الداخلية بحالة طبيعية،
ويكون الفرد بالطبيعة قد "اعتدل في الغذاء والاستجمام".
يعني "الاستجمام" الراحة التي تؤدي إلى إعادة خلق الوظيفة الطبيعية الجهاز
العصبي بالكامل لكي يكون قادراً على العمل في قدرته القصوى. عندما يتم وضع
بعض آليات الجسم في نوع معيّن واحد من نشاط، تصبح متعبة ويفق الإنسان
كفاءته في ذلك النشاط. أما عندما يعمل في النوع الآخر من النشاط، تصبح
الآليات الأخرى فاعلة، وترتاح الآليات المتعبة، بذلك تستعيد كفاءتها. هذا
ما يسمى بالاستجمام. إن أشكال الاستجمام تلك والتي ترتكز على تغيير النشاط
في الحقل الخارجي للحياة لا تعيد خلق الجهاز الكامل في وقت واحد ولا تجدّد
الكفاءة إلى الحدّ الأقصى. يعيد التأمل التجاوزي خلق الجهاز العصبي، وينتج
حالة اليقظة المريحة للجهاز العصبي بالكامل ويجدّده، هكذا يكمل غاية
الاستجمام.
"اعتدل في الجهد في العمل" تعني بأنه ليس على الفرد أن يزيد في إجهاد نفسه
عندما يعمل. يدلّ ذلك أولاً، بأنّه يجب أن يكون الفرد قوياً بما فيه
الكفاية كي لا يتعب - وبكلمة أخرى، يجب أن يكون الفرد نشيطاً ويقظاً
ومتحرراً من الكسل؛ وثانياً، يجب أن يكون الارتباط بالعمل بالتوافق مع
الدهرما الخاصة بالفرد، ومتساوق مع قوانين الطبيعة، وإلا ستقدم الطبيعة
احتجاجها الصامت ضدّ الجهد، ويكون الفرد مرغماً على بذل "الجهد في العمل"
بإفراط. تكمل الممارسة المنتظمة للتأمل التجاوزي كل من هاتان الحاجتان
لأنها تزوّد طاقة أعظم وتنتج انسجاماً في الطبيعة.
لا يجب أن يُفهم من ذلك بأن العبارة "اعتدل في الجهد في العمل" هي المطلب
الرئيسي لليوغا. ينمو الاعتدال مع تقدّم الممارسة. لا الشّيء يمكنه أن
يتحقق من دون تحوّل الطبيعة الحقيقية للإنسان وبيئته المحيطة. ومع تقدّم
ممارسة التأمل، تحوّل بدون جهد طبيعة الفرد الداخلية وتأثيره على بيئته
المحيطة. هذا ما يجعله "معتدل في الجهد في العمل" بشكل تلقائي.
إن كلّ الظروف المشروحة في هذه الآية يؤكّد على الاعتدال، الذي يتم بفاعلية
أكثر من خلال الممارسة المنتظمة للتأمل التجاوزي. لذلك يمكن اعتبار التأمل
تجاوزي الشكل الأكثر فاعلية للاستجمام.
"اليوغا التي تبدد كل حزن": لقد قيل في وقت سابق بأنّ الحالة التجاوزية
للوعي هي حالة اليوغا. هذه بلا شك هي حالة الغبطة، لكن كيف يمكن لهذه
الغبطة التي تكمن في الحالة التجاوزية أن تساعد في إنهاء الحزن والمعاناة
في الحقل النسبي للحياة؟ بأخذ الغبطة التجاوزية وإعادتها إلى حقل الوجود
النسبي، تبدأ الغبطة بالسيطرة على المجال الذي يسود فيه الحزن والمعاناة.
يوضّح التعبير "اليوغا التي تبدد كل حزن"، بأنّ النقاط المختلفة التي
تظهرها هذه الآية بما يتعلق بالتصرف تشكّل الجزء الأساسي للممارسة المصمّمة
لتحويل الوعي الصافي التجاوزي إلى الوعي الكوني.
تشرح الآية الحالية النمط العامّ للتصرّف الذي سيسمح وحده للغبطة التي يتم
اختبارها في التأمل أن تتغلغل في المرحلة النسبية للوجود. إن غايتها
الشاملة هي في أن تحذّر الطامح من إعطاء أهمية أكثر من اللازم على أي وجهة
واحدة للحياة النسبية. وإذا أخذ الفرد كل شيء بنسبته المستحقّة، ستبقى كلّ
أوجه حياته من دون إجهاد. إن هذا المستوى المنسجم للوجود هو الذي يضع الأسس
التي يمكن العيش عليها بالكينونة القدسية في العالم. سيتم توضيح ذلك بشكل
أكثر الكلمة "موحّد" في الآية التالية.
الآية الثامنة عشر
عندما يثبت عقله، المستقر بالكامل،
في الذات وحدها، وعندما يتحرّر
من شهوة اللذة، عندئذٍ يقال إنه موحّداً.
هذا هو الوصف للحالة العقلية التي يتم الوصول إليها من خلال الممارسة التي
تم شرحها في الآيات السابقة.
"عقله المستقر بالكامل": يشير هذا إلى الوعي التجاوزي، حيث يصبح العقل
بحراً غير محدود وصامت من الوعي الصافي من دون أية موجة للفكر. كما يمكن
قول ذلك بما يتعلق بالوعي الكوني، حيث لا يهزّ هدوء البحر بالرغم من أمواج
الفكر والاختبار.
قد يدور الجدل بأنّ الطبيعة الحقيقية للعقل هي في أنه يصبح مستقراً جداً في
أيّ غرض من الاختبار، ألم يذكر ذلك في الآية السابع والستّون للفصل الثّاني
بأن فكر إنسان يرتحل مندمجاً بالحواس "مثل سفينة في مهب الرياح"؟ وبما أنها
هذه هي الحالة، ألم يصبح العقل، المسحوب بقوة الحواس، مستقراً جداً في
اتصال الحواس بمدركاتها ويتمتّع بالسعادة التي يستمدها منها؟
ولعدم إعطاء الفرصة لهذه الحجج ولتجنّب إساءة الفهم، يقول المولى: "ثابت في
الذات وحدها". هذا التعبير له معناه على مستويين: على مستوى الوعي التجاوزي
وعلى مستوى الوعي الكوني. على المستوى التجاوزي لا يوجد شيء هناك سوى الذات
وحدها. إنّ طبيعة الذات هي الوعي الصافي والذكاء الكوني والوجود الكوني
والحياة الكونية والكينونة الأبديّة والغبطة المطلقة. إنه تجاوزي وسرمدي
ولا يفنى. إنه "أصغر من الأصغر" إنه الصمت. تعبر كلمة "الذات" عن الحقيقة
التجاوزية المتعذرة وصفها للحياة. يفقد العقل، وبمجيئه إلى هذا الحقل،
فرديته ويكسب طبيعته الحقيقية بأنه الكينونة الصافية.
على مستوى الوعي الكوني، يعني التعبير "ثابت في الذات وحدها" بأنّه وفي وسط
كلّ التصرف، في النشاط أو الصمت لحالات اليقظة والحلم والنوم، يدرك الإنسان
الذات بأنها منفصلة بالكامل عن حقل النشاط وهكذا يبقى ثابتاً في الذات
وحده. تخفق الاختبارات المختلفة للحياة في حجب هذه الحالة من الوجود الكوني
والاكتمال التام الذي يكسبه العقل.
بعد أن تم توضيح الصفة الراسخة والثابتة للعقل في حالة الطمأنينة الأبديّة،
يتّجه المولى إلى القيمة العملية لمثل هذه الحالة العقلية؛ إلى المبدأ أو
إلى حالة العقل التي ليس لها استعمال عملي في الحياة اليومية هي أقل أهميّة
في العالم. أخبر المولى أرْجونا بأنّ اليوغا التي يشرحها هنا قد أعطية إلى
الحكّام الأوائل من العالم، وبذلك يضعها على مستوى عملي جداً. علاوة على
ذلك، وفي كل جوانب الحديث، وفي نهاية كل شرح له طبيعة روحانية ومجرّدة
جداً، يقول المولى ما يربط به الحياة العملية. وهنا يقول: "يتحرّر من شهوة
اللذة".
"يتحرّر من شهوة اللذة" تعني الاكتمال. تنشأ شهوة اللذة من النقص في
القناعة، الذي قد تكون بسبب عدم نيل ما تدركه الحواس، أو بسبب عدم قابلية
الحواس على اختبار البهجة المتوفر. لكن عندما يثبت الإنسان في الحالة
الموصوفة في هذا الآية، ويكون في القناعة إلى الأبد، و لن تترك هذه الحالة
من القناعة الدائمة أي فرصة لأيّ شهوة للذة.
هذه الحالة من التحرر "من شهوة اللذة" هي على مستوى ذلك الاكتمال التام
للحياة حيث تكون كينونة الفرد موحّدة مع الكينونة الكونية. إنها على مستوى
"الحرية الأبديّة في الوعي القدسي"؛ على مستوى "الحفاظ على وعيك في الذات"؛
على مستوى التوحيد والمعرفة. إنها تكمل التطلّعات المعبرة بالآية الخامسة
والخمسون من الفصل الثّاني والآية الثامنة والثلاثون من الفصل الرّابع،
وترضي مستوى النيل المعطى في الآية الثامنة من الفصل الخامس.
هذه الحالة على المستوى حيث تجتمع طريق السانكهيا وطريق الكارما ويوغا
لإيجاد الاكتمال في الهدف المشترك، كما أظهر ذلك في بالآية الخامسة من
الفصل الخامس.
"موحّد": في الآية الثامنة، كانت هذه الكلمة تستعمل للدلالة على المساواة
في الرؤية؛ تعطى هنا، وكما في الآية الرابعة عشر، معنى أوسع بكثير. إنها
تستعمل من ناحية الكينونة الشاملة وتحيط بحقل العقل كامل، بصمته ورغباته
ونشاطاته، الحقل الكامل للحياة الذي يقع بين طرفي الحياة؛ العبودية والحرية
الأبديّة، وبين الإنسان الفردي والقدسي الكوني. إنها تدلّ على الحياة في
الوعي الكوني، التي تشمل النسبي والمطلق.
الآية التاسعة عشر
قنديل الذي لا يومض في مكان
خالٍ من الريح، هكذا يكون اليوغي
المخضع لأفكاره من خلال
ممارسة التوحيد مع الذات
يمكن مقارنة هذه الآية مع الآية التاسعة والستون من الفصل الثّاني، التي
تقول بأنّ في ليل كلّ الكائنات، يكون الإنسان المسيطر ذاتياً يقظاً. لكن
التشبيه في الآية الحالي أكثر عمقاً، لأن التعبير في الفصل الثاني كان ضمن
سياق الحواس وسيطرتها، في حين يمثّل القنديل في المكان الساكن "الفكرة"،
القائمة بذاتها، متحررة من تأثير الحواس.
هذا ما يوضح السبب للاختلاف بين أحاديث الرجال المتنورين في الأوقات
المختلفة. عندما يخرج مثل هؤلاء الرجال لشرح الحقيقة، يعتمد أسلوبهم من
التعبير وعمق الفكر على الوقت والظروف المحيطة. يعتمد حديثهم على نقاوة وعي
أولئك الذين يستمعون إليهم. في هذه المرحلة، أصبح وعي أرْجونا صافياً بما
فيه الكفاية ليفهم بالضبط، حالة "اليوغي المخضع لأفكاره من خلال ممارسة
التوحيد مع الذات"
قد نلاحظ بأنّ الاختبار الموضوعي هو بسبب ربط العقل بالجسم من خلال الحواس.
وعلى سبيل المثال، إذا كان الفرد يتأمّل بالفكرة، يكون اختبار الحالات
السطحية والمرهف لتلك الفكرة بسبب ربط العقل بحاسة النطق.
في أثناء التأمل، يستمرّ غرض الاختبار في أن يكون محسوساً في حالاته
المتضائلة، لكن عندما يتم تجاوز الحالة المرهف للاختبار، يكون العقل خالياً
من تأثير الجسم وتأثير الحواس التي كان يختبر من خلالها. طالما يتأثّر
العقل بالحواس ومدركاتها، يظل مثل القنديل الذي يومض نوره في الريح، لكنه
عندما يخرج من تأثيرهما يصبح ثابتا، مثل "القنديل الذي لا يومض في مكان
خالٍ من الريح"
طالما يكون العقل مرتبطاً بالغرض، يظل في صفة عقل الاختبار؛ لكن عندما
يتضاءل اختبار الغرض إلى نقطة الاختفاء، يتوقّف العقل عن أن يكون عقل
الاختبار. فيصبح العقل الواعي وعياً. ولكن في أثناء هذه العملية من التحول،
يكسب أولاً الحالة الصافية لفرديته الخاصة.
إنه لأمر ممتع أن نرى أن الآية لا تتكلّم عن العقل لكنها تتكلم عن "الفكر"
كما وأن يكون ثابتاً. إن الكلمة السنسكريتية المستعملة هي تشيتا، وهي تلك
السمة للعقل التي هي مجموع الانطباعات الهادئة والصامتة، أو بذور الرغبات.
إن تشيتا هي مثل الماء من دون الأمواج. إنه يدعى "مناس" أو عقل، عندما تظهر
الأمواج.
عندما يكسب العقل هذه حالة للتشيتا، أو "الفكر"، يقف ثابتاً، "مثل القنديل
الذي لا يومض في مكان خالٍ من الريح". يحمل فرديته في الفراغ - الامتلاء
المجرّد حوله - لأنه لا يوجد هناك شيء كي يختبره. فيبقى غير ملموس، ويصحو
في ذاته.
فلنتخيّل موجة صامتة على بحر هادئ، جاهزة لتوسّع والدمج مع صمت العمق. تدمج
الحالة الفردية الصافية للعقل والفردية الصافية للأنا، المشروحة في هذا
الآية، بشكل مباشر مع الوعي الذاتي التجاوزي؛ هذا ما يبديه المولى بعبارة
"التوحيد بالذات": يكون العقل متوحد مع الكينونة القدسية.
يتم تعريف هذه الحالة من التوحيد القدسي، أو اليوغا، في أوجهه المختلفة في
الآيات الأربعة التالية، التي يليها ستّة آيات مكرّسة إلى تحويل الوعي
التجاوزي إلى الوعي الكوني. وبعدها ثلاثة آيات تكشف جوهر الطريق من الوعي
الكوني إلى وعي الله، الذي فيه يصل اليوغي إلى ذروة الإنجاز.
الآية العشرون
تلك (الحالة) التي فيها ينكفئ الفكر
المستقر من خلال ممارسة اليوغا،
والتي فيها، وبرؤية الذات بالذات
وحدها، يجد الطمأنينة في الذات.
تصف هذه الآية الخطوة المتقدمة للممارسة. لقد أخذت الآيات السابقة العقل
إلى الحالة التي يقف فيها الفكر - الفكر الحازم - بذاته، ثابت وغير متحرك.
تقول الآية الحالي بأنّه عندما يكسب هذا الفكر الثابت، بالممارسة المستمرة،
الاختبار الواضح لفرديته، يبدأ بالانكفاء. تبدأ عملية الانكفاء بتوسّع
الفردية، وعندما تحدث هذا يبدأ الفكر، الذي فقد فرديته، بكسب الكونية،
ويبدأ بكسب المنزلة غير المحدودة للكينونة. في دمجه مع الكينونة، يدرك
الكينونة كأنها ذاته الخاص ويكسب وعي غبطة – يجد اليوغي "الطمأنينة في
الذات".
إن الذات، كما قيل عنها في التفسير في الآية الثامنة عشر، لها طبيعة
تجاوزية؛ قبل أن يتجاوز العقل كلّ اختبار، فهو لا يدرك الذات. في عملية
تجاوز كلّ اختبار، ينكفئ العقل من اختبار التعدّدية ويكسب اختبار الأحادية
في طبيعته الفردية الخاصة. ومن ثمّ، يتجاوز منزلته الفردية، ويتوسّع إلى
الكينونة الكونية. هذه الحالة للكينونة، حالة الوعي التجاوزي يتم الإشارة
إليها بالكلمات، "برؤية الذات بالذات وحدها".
إنّ الكلمة "وحدها" هي هامّة، لأنها تؤكّد بأنّ الذات التجاوزية بذاته
تشكّل محتوى كينونتها وبأنّ لا شيء في الوجود النسبي يمكن أن يدركاها. إن
نقاوتها وأبديّتها وسموها، هي بأنه حتى الوجهة المرهفة للحياة الفردية،
الفكر الحازم، تكون غريبة عنها وتمنع من الدخول فيها. يجب أن يستسلم الفكر
من وجوده لكي يجد مكانه في الكينونة الأبدي للذات.
هذا المجد لطبيعة الذات. بعد أن عاد إلى بيته، يجد المسافر السلام. إنّ
كثافة السعادة هي أعلى من الذروة. فتزيل غبطة هذه الحالة إمكانية أيّ حزن،
أكان كبيراً أو صغيراً. في نور الشمس الساطع لا يمكن للظلمة أن تخترقه؛ لا
يمكن للحزن أن يدخل وعي غبطة، كما لا يمكن لوعي الغبطة أن يعرف أيّ مكسب
أكبر من ذاته. تترك هذه الحالة من الاكتفاء الذاتي الفرد صامداً في ذاته،
مكتملاً في الطمأنينة الأبديّة.
تشكّل الآية الحالي بداية جملة طويلة التي تتتوّج في الآية الثالثة
والعشرون. ولا نجد في أي مكان آخر غير البهاغافاد غيتا جملة بهذه الطبيعة
المتمددة. ويعود ذلك لأن هذه الآيات الأربعة تقدم اليوغا، التي هي حالة
التوحيد القدسي، بمجدها الكامل. تكشف الآية الحالية حالة التوحيد القدسي في
الوعي التجاوزي. إنّ الآية التالي تصوّر التوحيد في الوعي الكوني، والثالثة
من ناحية المكسب الأسمى الذي هو وعي الله، والرابعة من ناحية إزالة
المعاناة. |