|
الفصل الخامس
نظرة على التعاليم في الفصل الخامس
الآيات 1-3. يكتسب التحرر من خلال العمل والزهد ؛ لكن طريق العمل هو
متفوّق، بالرغم من أنّ الزهد يجلب التحرر من العبودية بسهولة.
الآيات 4-10. لا تعتبر الطريقان منفصلان من قبل الحكماء. يرى مدركي الحقيقة الطريقين كأنهما واحد؛ إن الزهد
هو صعب المنال من دون التوحد بالقدسي، الذي يجلب أيضاً الحرية من عبودية
العمل.
الآيات 11-13. يؤدّي الإنسان الثابت في التوحيد بالقدسي الأعمال على
مستويات الحواس والعقل والفكر لتنقية الذات. وببقائه في الغبطة في داخل
ذاته، يكون غير متورط بالعمل وثماره.
الآيات 14-16. في الواقع، لا يعود تأليف العمل إلى الفاعل. يتم تأدية
كلّ الأعمال بقوة الطبيعة. في ظل فترة الجهل، يفترض الفاعل بأنه هو من قام
بالعمل ويصبح مقيد بثماره. تجلب المعرفة نور الحقيقة وتبدّد ظلام الجهل.
الآيات 17-21. في ثباته بالمعرفة، ونقائه الكلية، وفي تلك الحالة من
الرصانة العميقة، يعيش الإنسان الحرية الأبديّة في الغبطة الدائمة للتوحيد
القدسي.
الآيات 22 و23. إنّ بهجة الحواس هي مصادر الحزن؛ الإنسان المتنور لا
يبتهج بها. إن القدرة على مقاومة حماس الرغبة والغضب هو معيار الإنسان
الموحد.
الآية 24. مسرور في الذات، ومتحرر من الرغبة والغضب، يجد إنسان الحرية
الدائمة في الوعي الكوني ويرتفع للسلام الأبدي في وعي الله.
الآيات 25-29. يتضمن مبدأ الزهد العلو ذاته إذا تم تحقيق الكمال البشري
كما هو بطريق العمل.
ملخص سريع
في فصل الثاني أنار المولى كريشنا أرْجونا على فهم السانكهيا واليوغا
لكي تتضح له الصورة حول الأوجه الفانية والأوجه الخالدة للحياة وبذلك،
ينتزع عنه الجهل حول طبيعة الحياة وعلاقتها بحقل العمل، ويدرك طبيعته
القدسية الحقيقية في الحرية الأبديّة.
لقد خلقت كلمات إلهام المولى في عقل أرجونا حافزاً لإتّباعها. كشف
الفصل الثالث ممارسة الكارما يوغا. والعمل في حالة التوحيد مع القدسي، أو
العمل من أجل جعل هذا التوحيد القدسي دائماً، وبالتالي رفع كرامة كل من
الفاعل والفعل.
بمواصلة التعاليم في الفصل الرابع، أعطى المولى كريشنا إلى أرْجونا
الفهم العميق عن علاقة الذات الفردية مع حقل العمل، يوضح له حالة الافتراق
التي تتواجد بشكل طبيعي بين الكينونة الداخلية والمرحلة الخارجية للحياة في
النشاط. هذا ما يعطيه البصيرة لحقيقة الحياة والنشاط، وكشفت له بأنّ
الكينونة الداخلية هي مستقلة بالكامل عن العمل. وبذلك أدرك أرجونا بأنّ
النشاط لا يعود إلى ما هو جوهري في حياة – الكينونة في الحرية الأبديّة.
الفصل الرابع قد دعي "يوغا معرفة الزهد في العمل". إنّ العنوان هو هامّ
جداً. يخبرنا بأنّه طبقاً لهذه التعاليم يتم اكتساب اليوغا، أو التوحيد، من
خلال معرفة الزهد، ومن خلال معرفة الذات بأنها منفصلة بالكامل عن النشاط.
يضع الأسس بأنّ حالة الزهد هي طبيعية على المستويين للحياة الكونية
والفردية؛ على مستوى الكوني يبقى الله غير متورط بنشاطات الخليقة والتطور؛
أما على مستوى الحياة الفردية، فتبقى الذات غير متورطة بالنشاط. إن الحالة
الطبيعية للزهد هي القاعدة الحقيقية لكلّ الحياة، ومعرفتها بشكل صحيح يجلب
الحرية من العبودية. هذه هي التعاليم الأساسية للفصل الرابع.
قد يبدو بأنّ الفصل الرابع كان يتحدّى مذهب الكارما يوغا الذي تم
تعليمه في الفصل الثالث. لكن في الحقيقة إنه ليس كذلك لذا. لو أعلن هذا
الفصل عن التنوير من خلال الزهد في العمل، لأمكن أن يكون بذلك على نقيض
لمبدأ الكارما اليوغا. لكنّه يعلن عن التنوير من خلال معرفة الزهد
في العمل. هذا ما يوضح بأنّ مبدأ الزهد هو الذي يتوجب فهمه فقط؛ وليس
ممارسته. إنّ حالة الزهد تنتج من خلال الكارما يوغا (الفصل الرابع، 41)؛ لا
يوجد هناك طريق لممارسة الزهد. يتم تمجيد معرفة الزهد هنا، وليس ممارسة
الزهد.
عندما نصرّح بأنّه لا يجب ممارسة الزهد نحن ندرك لطريقة التنسك في
الحياة. لكن الزهد المتنسك هو الزهد للأشياء الخارجية وله علاقة بطريقة
معيّن من الحياة فقط؛ فهو ليس بطريق بحد ذاته للوصول إلى الله. إنها ليست
ممارسة الزهد ما هو مطلوب، بل إنها معرفة الذهد هي التي تساعد في الطّريق
إلى الله.
إنّ معرفة الزهد كما تم شرحها في الفصل الرابع هي ضرورية لأولئك الذين
هم على طريق كارما يوغا أيضا لأولئك الذين هم على طريق السانكهيا. يتم
اختبار حالة الزهد على كلا الطريقين، وما لم يكون الفكر واضحاً حول أهمية
هذا الاختبار، ستبقى الشكوك وستعرقل أي تقدّم.
تبدأ كل من الكارما يوغا والسانكهيا على الأرضية المشتركة للتأمل
التجاوزي. هذا يقودنا مباشرة إلى الوعي الذاتي التجاوزي، حيت يتم التخلي عن
الحقل الأكثر صفاء للفكر وتقف الذات وحدها في حالتها الصافية للوجود (الآية
2). هذه هي حالة الزهد الكامل، لكنّ يتم الوصول إليها فقط في أثناء التأمل؛
وليس دائماً. خلال الممارسة المنتظمة والمستمرة للتأمل، ومع التناوب مع
النشاط - النشاط العقلي على طريق السانكهيا ونشاط المادي على طريق الكارما
يوغا - يتطوّر الوعي الذاتي التجاوزي إلى الوعي الكوني، في حين يختبر الفرد
الذات بأنها منفصلة عن النشاط ويعيش الحالة الطبيعية للزهد في الحياة
اليومية. وتصبح حالة الزهد دائمة. تتطوّر هذه الحالة للوعي الكوني أكثر
فيتحلل الافتراق بين الذات والنشاط، الذي قدّم الحالة الكاملة من الزهد،
بالوحدة النهائية لوعي الله. تبدو هذه الحالة التي يتحلل فيها هذا الافتراق
بأنها خلف نطاق الزهد، لكنّها، في الحقيقة، هي الزهد في كماله المثالي. ولا
يبقى شيء الآن ماعدا الحياة الصافية. يظهر الفصل الرابع مبدأ الزهد في كلّ
هذه الحالات؛ الوعي التجاوزي والوعي الكوني ووعي الله.
إن المعرفة المعطاة في ذلك الفصل قد أغنت التعليمات حول طرق السانكهيا
والكارما يوغا التي تم إعطائها في الفصلين الثاني والثالث. لقد وضع بشكل
صامت أسس حالة الزهد كأرضية مشتركة، ومعلم مشترك والهدف المشترك على كلا
الطريقين. ويأخذ الفصل الخامس فائدة المعرفة المعطاة في الفصل الرابع، فيضع
السانكهيا والكارما يوغا سوية بشكل واضح ، ويقدّمهما على أنهما مفيدان على
حد سواء في جلب التحرر الأبدي في وسط كلّ نشاط.
إنه يضع أسس فلسفة اليوغا، أو الإتحاد القدسي، خلال الزهد في العمل.
هذه ما قد نتوقّعه مناقضاً لفلسفة اليوغا من خلال العمل، الكارما يوغا. لكن
موضوع المولى هو رائع جداً بحيث، بعيدا من العرض لأيّ إحساس بالتناقض مع
الكارما يوغا، ينجح الفصل في إعطاء صورة الكارما يوغا وسانكهيا معاً. إنه
يضعهما بشكل مجيد، على ذات المستوى للزهد، وبإظهار المبدأين لهاذين
الطريقين اللذان ستكونان في تقارب، يستعملهما سوية ليطوّر فلسفة جديدة من
اليوغا؛ يوغا الزهد.
إن الزهد بحد ذاته هو بوضوح حالة من الخسارة. وهكذا يوغا الزهد تعني
يوغا الخسارة: التوحيد من خلال الخسارة. إنه مجد حديث المولى بأن تصبح
الخسارة وسيلة للكمال - يتقدّم الزهد لإنقاذ الحياة وجلب الاكتمال إليها.
من دون فلسفة الزهد، ستبقى فلسفة العمل ناقصة دوماً، لأن الزهد في
العمل يكمن في النهاية المعاكسة إلى أداء العمل. كما يتقابل الافتراق مع
الإتحاد، كذلك يتقابل الزهد مع يوغا العمل. وما لم يتم أخذ هذه النهايتين؛
الإتحاد والزهد في الحسبان ، ستكون الفلسفة ناقصة.
إن فلسفة الزهد ليست مكمّلة لفلسفة العمل بشكل مجرّد، وليست هي فقط جزء
أساسي من تلك الفلسفة. لكن يمكن اعتبارها حقاً بأنها فلسفة العمل الكاملة
بحد ذاتها. إنّ فلسفة الزهد هي كاملة جداً بحيث أنها، وببقائها بصرامة ضمن
حدود الزهد ومن دون الحاجة لمناقشة حقل العمل مطلقاً، قادرة على تأييد
فلسفة العمل. يمكن أن توضّح الفلسفة الكاملة لكارما يوغا من خلال هذه
الفلسفة للزهد، لأن قاعدة الكارما يوغا هي الوعي التجاوزي. وبما أن الطريق
إلى الوعي التجاوزي هي من خلال انسحاب العقل من الحقل الاختبار الخارجي، لا
يهمّ سواء ناقشنا عملية كسب الوعي التجاوزي من ناحية النشاط في الاتجاه إلى
التجاوزي أو من ناحية النشاط بعيداً عن حقل الاختبار الخارجي. الناحية
الأولى تعبر عن المبدأ من ناحية الكارما يوغا، والناحية الثانية من ناحية
الزهد. لكن يجب أن لا يتغاضى الفرد عن الحقيقة بأنّ الزهد لا يقدم أيّ
ممارسة. ستوجد الوجهة العملية لفلسفة الزهد في تقنيات السانكهيا والكارما
يوغا. لا يؤمن مذهب الزهد ممارسة مستقلة، ولذلك إن الزهد ليس بطريق في حد
ذاته – إنه يقدّم نظرية مستندة على ممارسات الطرق الأخرى.
أظهر مبدأ العمل في الفصل الثّالث، ومعرفة الزهد في الفصل الرّابع،
يشرح الفصل الخامس التوافق بين هذين الاثنين. والمعجزة هي بأنّها تفعل ذلك
من وجهة نظر الزهد، التي هي مجرّدة، وليس من وجهة نظر العمل، التي هي
ملموسة. فيما ندمج طرفي العمل والزهد، نحن ندمج الطريقين المختلفين من
اليوغا وسانكهيا، وبذلك يعطي التعبير إلى الفلسفة الكاملة للحياة
المتكاملة. هاهو النداء إلى كلّ إنسان: تعال من أي طريق كان، والتحرر سيكون
لك.
هذا الذي يجعل البهاغافاد غيتا الكتاب المقدّس للإتحاد القدسي. إنه
يعلن بسهولة عن كل من يوغا العمل ويوغا الزهد في العمل. هذا هو كمال الحديث
من شفاه يوغيشفارا، كريشنا، سيد ممارسي يوغا في كلّ زمن.
يتم تنسيق التناقضات الأكثر تطرفاً ويتم توحيدها في هذا الفصل. إنه
يقدّم حالة الحرية الأبديّة في الوعي القدسي على مستوى العمل المستند على
الزهد. علاوة على ذلك، يضع أسس الحاجة لكسب الوعي القدسي من أجل النشاط
الناجح في الحياة اليومية، وفي ذات الوقت يؤكّد الحاجة للنشاط من أجل كسب
الوعي القدسي. وبجلب الانسجام إلى الوجهتين المادية والروحية للحياة، يفتح
الطريق إلى النجاح وإلى الخلاص للإنسان، سواء كان رب البيت أو الناسك، وفي
أيّ عصر. إنه يمكن أيّ إنسان على تمجيد عالمه بنور القدسي - وأيضا للوصول
إلى الحرية القدسية بطريقة طبيعية جداً من خلال النشاط اليومي للحياة.
إن الحكمة التي لا تنضب هي متضمنة في الآيات التسعة والعشرون لهذا
الفصل. يقف هذا الفصل كالمشعل، ليس فقط لأولئك البأساء والمربكون، لكن
أيضاً للباحثين، وحتى لأولئك الذين تقدّموا جداً على الطريق. 

|