اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل الرابع 31 إلى 35
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل الرابع 1 إلى 5
الفصل الرابع 6 إلى 10
الفصل الرابع 11 إلى 15
الفصل الرابع 16 إلى 20
الفصل الرابع 21 إلى 25
الفصل الرابع 26 إلى 30
الفصل الرابع 31 إلى 35
الفصل الرابع 36 إلى 40
الفصل الرابع 41 إلى 42

الآية الواحدة والثلاثون

بأكل بقايا اليغيا التي هي الإكسير،
يصلون إلى بْرَهْمان الأبدي.
إن هذا العالم، يا أفضل الكوروس،
لن يكون مقراً لمن لا يؤدي اليغيا،
سيكون أقل بكثير العالم فيما بعد
 

بعد أن وصف الأنواع المختلفة لليغْيا في الآيات السابقة (24-30)، يوضّح المولى، في هذا الآية، نتيجتها. اليغْيا هي عملية التنقية. إن كلّ عملية مثل هذه تترك العقل أدق وبالتالي أكثر قدرة على التجاوز. عندما تنتهي اليغْيا، يصفو العقل ويكسب المستوى أعلى من الوعي. هذا ما يؤدّي إلى وعي الغبطة في النهاية، الذي يدعوه المولى "الإكسير". تبقى الغبطة، إذا جاز التعبير، بعدما تنتهي اليغْيا. إن أولئك الذين يتمتّعون بهذه الغبطة، يقول المولى، "يصلون إلى البْرَهْمان الأبدي"، لأن هذا الوعي للغبطة التجاوزية هو الذي يتطور، من خلال الممارسة المستمرة، إلى الوعي الكوني وفي النهاية إلى وعي الله.

يقول المولى إضافة لذلك، إذا لا يؤدّي الإنسان اليغْيا لن يكون ناجحاً لا في هذا العالم ولا فيما بعد. ما لم يسحب السهم بالكامل على القوس، لن يكسب الطاقة الكافية لينطلق إلى الأمام بالقوة العظمى؛ وما لم يسحب العقل إلى الداخل ويتم جلبه إلى الحدّ الأقصى توجهه الداخلي، لن يصبح ديناميكياً. وما لم يصبح العقل نشيطاً وقوياً، بالتأكيد سوف لن يحقق النجاح في العالم. يظهر المولى بأنّ عملية التنقية، أو اليغْيا، هي ضرورية للنجاح في هذا العالم ولاكتساب القوة للنجاح في العالم فيما بعد.

من كلّ أنواع اليغْيا، تكون يغْيا التأمل التجاوزي هي الأكثر فعّالية، لأنها الوسيلة المباشرة لجلب العقل إلى النقاوة المطلقة وتمكينه على الاتصال بالمصدر اللامحدود لطاقة الحياة والذكاء.

 

الآية الثانية والثلاثون

بهذه الطريقة تعرّف كلمات الفيدا
عن مختلف أنواع اليغيات.
إنها جميعها مولودة من العمل.
وبمعرفتك بذلك ستجد التحرّر 

تتكلّم الفيدا عن الأنواع المختلفة لليغْيا التي يساعد عملية تطور الإنسان في المستويات المختلفة من الحياة. يعني المولى بأنّ معرفة الأنواع المختلفة من اليغْيا، كما هي مذكورة في الفيدا، هي كاملة بحد ذاتها؛ ويتوجب تبنيها فقط. ليكشف هذا، يقول: "إنها جميعها مولودة من العمل". العمل الضروري لأداء اليغْيا: ما لم يتم تأديتها، سوف لن تعطي اليغْيا أيّ نتيجة. إن المعرفة النظرية عنها لها قيمتها لكن لا تحمل في طياتها ثمار اليغْيا. إنّ أهمية العمل مؤكّدة هنا.

تعطي العبارة "إنها جميعها مولودة من العمل" نقطة أخرى. يريد المولى جعلها واضحة جداً إلى أرْجونا، أن معرفة اليغْيا، التي علمها في الآيات السابقة والتي لها صلاحية الفيدا، هي ضرورية للنجاح في هذا العالم وفيما بعد. لكن وفي الوقت ذاته يشير بأن هذه هي ليست المعرفة النهائية التي ستحرّره من العبودية؛ هناك شيء أكثر من ذلك يجب أن يعرفه. في حين استمراره في نشاط اليغْيا، يجب على أرْجونا أن يأخذ في الاعتبار بأنّ كلّ شيء هو في حقل النشاط وبأن الحقيقة هي تجاوزية. لذلك لا يجب على الفرد يبقى بشكل دائم في حقل نشاط اليغْيا. إنّ المعرفة بأن اليغْيا هي النشاط ووبأن الحقيقة هي تجاوزي ستحرّر بالتأكيد الإنسان.

هنا يوجد نقطة مهمة لممارسة التأمل التجاوزي. إن وسيط الانتباه يجب أن يمكّن العقل للوصول إلى التجاوز وإدراك الحالة المطلقة للكينونة. إذا لم يكن الطامح مدركاً لهذه الحقيقة عندئذ، وفي أثناء ممارسته للتأمل (اليغْيا) وعندما يجد بأن الذي وسيط الانتباه قد اختفى، سيشعر بالإرباك. ولإنقاذه من مثل هذا الإرباك، يقول المولى بأنّ كلّ الممارسات التي تجلب التنوير (اليغْيا) هي في حقل النشاط، والهدف هو في تجاوز ذلك الحقل، للوصول إلى الوعي التجاوزي، وكسب الوعي الكوني والارتفاع إلى الأعلى لإتمام كلّ العمل في النهاية في حالة التوحيد في وعي الله.

تسلط الآية التالية الضوء أكثر على هذه النقطة.

 

 

الآية الثالثة والثلاثون

أفضل من يغيا التقديم المادي
هي يغيا المعرفة. يا ملهب الأعداء
وكل عمل من دون استثناء، يا بارتا،
يتتوج بالمعرفة.
 

"يغيا التقديم المادي": أنظر الآية 28.

"يغْيا المعرفة" تعني العمل الذي يؤدّي إلى المعرفة. إن يغْيا "التقديم المادي" يتم تأديتها من خلال التقدمة المادّية، بينما يغْيا المعرفة يتم تأديتها من خلال النشاط العقلي - النشاط العقلي الذي يؤدّي إلى حالة الوعي التجاوزي، وأيضا النشاط العقلي لفهم المتجاوز. إن المعرفة في محتواها هي وعي الله، التي تطوّر من حالة الوعي الكوني، والتي بدورها تطوّر من المعرفة (الفهم والاختبار) للوعي التجاوزي.

العمل هو الوسيلة للتطور، ويكسب التطور قمّته العليا عندما يبلغ الإنسان التوحيد بالله، وعي الله. في هذه الحالة من الاكتمال لا يوجد هناك شيئاً يحتاج أن يفعله. فيصل إلى هدف كلّ الأعمال.

تنتهي كلّ الوسائل كأمر طبيعي عندما يتم بلوغ الهدف. يهدّف أيّ شكل من اليغْيا إلى درجة معينة من التنقية. عندما يتحقق الوعي الصافي بشكل دائم، وعندما يتم إدراك الذات بأنها منفصل عن النشاط، وعندما يتم كسب وعي الله، يكون المستى الأعلى للتنقية قد تحقق. وبتحقيق ذلك، بشعر الإنسان بشكل طبيعي بالحرية الأبديّة. هذه الحالة من الاكتمال هي هدف كلّ العمل، وهدف كلّ يغْيا. لهذا السبب يقول المولى بأنّ المعرفة هي الحقل الذي تتلاقى فيه كلّ الأعمال والذي فيها تصبح مدموجة أخيراً: "كل عمل من دون استثناء، يا بارتا، يتتوج بالمعرفة".

إنّ حديث المولى هو مثال المهارة النفسية العظيمة. لقد بنا أهمية اليغْيا بشكل تدريجي (من الآية 23 إلى هذا الآية)، الطريق إلى التنوير. عندما أثبت عظمتها، يقول فجأة بأنّ هذه كلّه في حقل العمل، وبذلك يعني أولاً بأنّه ضمن وصول كلّ إنسان، وثانيا بأنه لا يجب أن يبقى الإنسان موقوفاً في حقل العمل، أو اليغْيا، لأن ذلك هو ليس الهدف النهائي للحياة. بعد أن أشار إلى ذلك، يستنتج المولى فوراً، في هذا الآية، تفسيره القائل بأن المعرفة هي الهدف لكلّ الأعمال. أما اليغْيا من خلال الوسائل المادية فيمكنها في أحسن الأحوال أن ترفع مستوى الوعي في الحقل النسبي للحياة. وتحوّل يغْيا المعرفة الآلية البشرية الكاملة إلى وسيلة يعبّر بها القدسي عن ذاته في العالم. لأنه لا يمكن أن يكون هناك حالة للتطور أعظم من ذلك، "يغْيا المعرفة"، تقود لما تفعله لهذه الحالة، هي أفضل من "يغيا التقديم المادي".

عندما يشدّد المولى على المعرفة قبالة العمل، يخاطب أرْجونا بأنه "الملهب للأعداء"، كما وأنه مرتبط بالنشاط القوي. هذه ما يظهر أنّه من خلال المعرفة يمكن للحياة أن تكون أكثر ديناميكية. في الآية التالية، يشير المولى إلى الطريق المباشر للبحث عن هذه "المعرفة".

 

 

الآية الرابعة والثلاثون

اعرف ذلك: من خلال الولاء
والتوسل والخدمة،
إن رجال المعرفة الذين اختبروا
الحقيقة سيعلمونك المعرفة
 

هاهي عملية كسب التنوير من المتنور. "بالولاء" تعنى الطاعة أو الاستسلام. هذا ما يخدم في إحداث حالة  من التقبّل. في هذه الحالة من الطاعة، يضع القلب والعقل جانباً طرقهما الخاصة للشعور والتفكير؛ ويصبحان متحرران من كلّ ما يحجب على قوتهما الكامنة ويصبحان متقبلان بالكامل للإنسان المتنور، المجسد للمعرفة.

الطاعة هي الوسيلة لتجريد الباحث بشكل طبيعي وتمام من فرديته المحدودة وللتغلّب على  أيّ مقاومة فيه قد تمنعه من فتح ذاته على الكينونة الكونية. في هذا الآية، يتم نصح باحث الحقيقة للخضوع للرجل المتنور وليس في مجرد أن يكون له إحساس بالطاعة إلى الكينونة الكونية. ذلك لأن الخضوع إلى الكينونة الكلية الوجود، ليس له نقطة تركيز ملموسة، فتبقى مجرّدة وغير محددة ولا تتبلور إلى النتائج المؤكّدة. إن الخضوع المباشر للفكر الفردي إلى الذكاء الكوني تحدث فقط في حالة التجاوز. إما في حقل النسبية، فيتطلب الخضوع على مستوى التفكير والفهم نقطة معيّنة للتركيز، هذا إذا كان المراد منها أن تكون ذات صلاحية ومنتجة للنتائج.

أما النقطة الثانية في عملية الوصول إلى التنوير فهي بأنّ يكون الفكر يقظاً لكي تمييز، أو تكون القدرة على فهم الأوجه مختلفة للحقيقة حادّة. إن هذا هو ضروري لأن حالة التنوير الكامل تتضمّن الفهم الواضح للحقيقة، ومرة أخرى هذا ما يمكن تحقيقه فقط بالفكر اليقظ والحاد والمميّز والحاسم. تتضارب حالة اليقظة الفكرية بحالة الخضوع. ويتم حل هذا النزاع بما يدعوه المولى "الخدمة".

تعني "الخدمة" العمل بموجب رغبة المعلم. إن إحساس الخدمة ليس له الشيء الكثير بطبيعة العمل بحد ذاته، لكنّه يعنى أولاً بتحقيق رغبات المعلم؛ إذا كان المعلم مسروراً، تكون الخدمة ناجحة. إذا كان مسرور بإنجاز العمل، عندئذ تكون الخدمة قد أنجزت ويكون العمل قد حقق غايته. أما إذا أراد المعلم إلغاء العمل في منتصف تنفيذه، فسيتطلب نجاح الخدمة الطاعة. يشمل فنّ الخدمة هذا تلك الحالات من الخضوع ويقظة الفكر التي هي ضرورية للتنوير.

يدرّب الإحساس الصحيح للخدمة عقل الباحث لتعديل ذاته إلى منزلة العقل المتكامل للإنسان المتنور. ولكي يكون ناجحاً في فنّ الخدمة، يجب على الفرد أن يعدّل عقله، وكل ما يحب وما يكره، لتكون متوافقة مع عقل المعلم. يقوم بعمل شيءٍ ما وبعد ذلك يراقب عن قرب ليرى سواء كان معلمه مسروراً أو غير مسرور. ومن ثمّ يعدّل أعماله وفقا لذلك. إن هذا هو أكثر من مجرّد التقيّد بالخضوع ويقظة الفكر كليهما معاً. وبتعديل ذاته لما يحبه وما يكرهه العقل الكوني المتنور للمعلم، يكسب العقل الجاهل للباحث بشكل تدريجي تلك المنزلة ذاتها. هكذا نجد الخضوع والتوسل والخدمة، كلّ هذه الصفات الثلاث، مكمّلة وتخلق حالة مفضّلة للتنوير.

وتعليقاً على هذا الآية، يقول شانكارا: "اعرف بأي وسيلة يتم اكتسابها. وبمقاربتك إلى المعلمين بتواضع، انحني واسجد أمامهم، أدي لهم الولاء مطوّل. اسألهم ما هي العبودية وما هو التحرر، ما هي الحكمة وما هو الجهل. قدّم الخدمة للمعلم. وبسرورهم بذلك وبغيرها من إشارات الوقار، سيفصح إليك المعلمون الذين يعرفون الحقيقة من الكتب المقدّسة والذين أدركوها أيضاً من خلال اختباراتهم الشخصية المباشرة، هذه المعرفة"

إنّ نتيجة هذه المعرفة تظهر في الآية القادمة.

  

الآية الخامسة والثلاثون 

بمعرفتك لهذا، يا ابن باندو،
لن تسقط أبداً في مثل هذا الضلال؛
لأنك سترى من خلال ذلك
كل الكائنات في ذاتك وأيضاً فيّ أنا
 

"بمعرفتك لهذا": بعد أن كسب المعرفة المعطاة له في الآيات السابقة.

"لن تسقط أبداً في مثل هذا الضلال": يعطي المولى هنا إلى أرْجونا تقنية الارتفاع فوق إمكانية الضلال. إن حقل ثنائية الحياة وحده يمكنه أن يكون حقلاً للضلال. عندما يدرك الفرد، في حالة الوعي الكوني، الذات على أنها منفصل عن النشاط، وعندما تتطوّر هذه الحالة إلى التوحيد الأبديّ لوعي الله، عندئذ سترى "كل الكائنات في ذاتك وأيضاً فيّ أنا". في هذه الحالة من وحدانية الحياة، وحدانية وعي الله، ليس هناك أي أثر للثنائية ولذلك ليس هناك إمكانية لأيّ ضلال. إنّ التعاليم هي في زرع حالة الأحادية في وعي الله؛ ازرع هذه الحالة من المعرفة لكي لا تسقط أبداً في مثل هذا الضلال.

إنّ الكلمة "مثل هذا" هي هامّة جداً. فهي تشير إلى حالة خاصّة من الضلال – إلى ضلال أرْجونا بشكل خاص - الضلال في حالة الساتفا. بذلك يعلّم المولى بشكل صامت أرْجونا في فلسفة الضلال: إن أيّ ضلال يتم اختباره في حالة الطمس يمكن التغلّب عليه بزيادة الرجس؛ وعلى نفس النمط، إن أي ضلال يتم اختباره في حالة الرجس يمكن التغلّب عليه بارتفاع الساتفا؛ لكن الضلال في حالة الساتفا، كما في حالة أرْجونا، لا يمكن التغلّب عليها ما لم يتجاوز الفرد حقل الساتفا ويكسب الوعي التجاوزي. هنا تجد صفات القلب والعقل هدفاً مشتركاً، وبالتالي تذوّب ثنائية وجودهما المنفصلة وترتفع فوق إمكانية الضلال.

إنه من غير الممكن عملياً البقاء في التجاوز في كل الأوقات. لذلك من الضروري جعل هذا الوعي التجاوزي دائماً والارتفاع إلى حالة الوعي الكوني. في هذه الحالة من الوعي الكوني، يختبر الفرد بأن ذاته منفصلة عن النشاط. قد يبدو أن في هذه الحالة يعيش الفرد في الثنائية، ثنائية الكينونة والنشاط؛ لكن هذا النوع من الثنائية، الذي فيه تبقى الذات منفصلة عن كلّ شيء، هو خالٍ من إمكانية الضلال. لكن يتمنّى المولى على أرْجونا أن يرتفع فوق الثنائية حتى التي هي من هذه الطبيعة. لكي يفعل ذلك، فهو يؤكّد على أهمية كسب معرفة الأحادية في وعي الله التي تنتج من الولاء في حالة الوعي الكوني.

بممارسة التعاليم في الآية السابقة، يتم تنقية القلب والعقل عند الباحث بشكل آلي ويصبحا قادرين على الولاء والتكريس؛ يؤدي هذا الولاء إلى تطوير وعي الله، الذي فيه تصبح الأحادية حقيقة حيّة من الحياة، وتزول إمكانية وجود أيّ نوع من الثنائية بالكامل.

"لأنك سترى من خلال ذلك كل الكائنات في ذاتك وأيضاً فيّ أنا": عندما ينظر من خلال النظارات الخضراء، يبدو له كلّ شيء أخضراً. وعندما يتم إدراك الذات، من خلال المعرفة، بأنها منفصل عن النشاط و يصبح الوعي الذاتي دائماً في حالة الوعي الكوني، عندئذ سيتم اختبار كلّ شيء بشكل طبيعي في الإدراك للذات؛ وعندما تتحول من خلال الولاء، هذه الحالة الدائمة للوعي الذاتية، أو الوعي الكوني، إلى وعي الله، عندئذ سيتم اختبار كلّ شيء بشكل طبيعي في الإدراك لله، ويكون كل اختبار من خلال وعي الله، ويتم اختبار وفهم كلّ شيء في نور الله، ومن ناحية الله، وفي الله.

رؤية "كلّ الكائنات" تتضمّن معرفة الحقل الكامل للكون المشكّل بالغونات الثلاثة؛ ورؤيتك "لي" تعني رؤية المولى يترأّس كل من المطلق والنسبي كليهما معاً. هكذا وبرؤية "كل الكائنات في ذاتك وأيضاً فيّ أنا" تدلّ على امتلاك المعرفة الكاملة لكل من حقل المطلق وحقل النسبي، والعلاقة بينهما وترأّس الله عليهما.

إن رؤية كلّ الكائنات في الذات هي بداية تحوّل الوعي الكوني إلى وعي الله، ويكتمل هذا التحول عندما يتم رؤية كلّ الكائنات في الله. أولاً، يتم رؤية كلّ الكائنات في الذات، ومن ثم رؤية الذات في الله. لهذا السبب يقول المولى: "لأنك سترى من خلال ذلك كل الكائنات في ذاتك وأيضاً فيّ أنا". لا تصف الفكرتان في العبارة الواحدة الحالتين فقط ولكنهما تصفان أيضاً التسلسل الذي فيه يطوّران.

في حالة وعي كوني، يتم اختبار الذات بأنها منفصلة عن النشاط. إن هذه الحالة من الحياة في عدم التعلق المثالي هي مستندة على وعي الغبطة، واستناداً على ذلك تكسب صفات القلب تطورها الأكثر كمالا. وبذلك تسود المحبة الكونية على القلب، الذي يبدأ بالفيضان بمحبّة الله؛ ويبدأ البحر الصامت للغبطة، والبحر الصامت للمحبّة، بالارتفاع بأمواج الولاء والتكريس. ويبدأ القلب في حالته من القناعة الأبديّة بالتحرّك، وهذا يبدأ جمع كلّ شيء مع بعضه البعض ويزيل هوة الافتراق بين الذات والنشاط. ويبدأ الإتحاد لكلّ التنويع في الذات بالنمو. تثقّف كثافة هذا الإتحاد وعي الإنسان، الذي يبدأ بإيجاد كلّ شيء متلازم مع الذات؛ وهكذا، وبالأسلوب الأكثر طبيعية، تجد الذات، التي تحدّد هويتها بأنها منفصلة عن كلّ نشاط في حالة الوعي الكوني، كلّ شيء في ذاتها. هذا يحدث في الطّريق إلى وعي الله، الذي في كماله يُخدع الذات أيضاً، ويحتوي كلّ الأشياء.

تفصل الكائنات ذاتها من الكينونة الأسمى بواسطة البراكريتي، لكن هذا الحجاب يزول عندما يشرق نور المعرفة على الحياة، إنه نور إدراك أحادية الحياة في وعي الله، الذي يثبت الخلود في العالم الفاني.

هذه رؤية لكلّ شيء في الله هي غير محدّدة بمحدودات البصر؛ إنها على مستوى الحياة ككل؛ إنها على ذلك المستوى العالي للحياة التي توازي حياة الله بذاته. محظوظ هو، الإنسان الذي يمكنه أن يرتفع إلى حياة الله.

Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي