|
الآية السادسة والعشرون
البعض يقدّمون السمع والحواس الأخرى
في نيران السيطرة؛ والبعض الأخر
يقدّمون الصوت والمدركات الأخرى
للحواس في نيران الحواس
"النيران": إنّ وضع الكلمة في صيغة الجمع يشير إلى أنّ هناك طرق مختلفة
للسيطرة على الحواس المختلفة.
هناك نوعان من الناس: أولئك الذين يبقون حواسهم نشيطة، تمتّع بمدركاتها في
العالم، وأولئك الذين يمارسون الطرق المختلفة من السيطرة. يشير المولى إلى
الثانية عندما يقول بأن الحواس تقدّم في "نيران السيطرة".
لقد تم ترجمة كلمة "سيطرة" من قبل معظم المفسرين للدلالة على الكبح، ولذلك
يدعون للإخضاع القويّ للحواس. لكنّه بالتأكيد من غير الممكن وضع حدّاً
لنشاطات الحواس خلال ممارسة الامتناع عن إشباعها. هذا تم توضيح ذلك فعلاً
من قبل المولى في الآية 59 من الفصل الثاني. لذلك من الواضح أن كلمة
"سيطرة" تعني شيئاً ما غير الكبح، شيء ما له حقاً القوة في تهدئة الحواس.
يتم شرح هذا في طريقتين: أولاً، في الاستعمال الصحيح للحواس، وتفسير ذلك
معطى في هذه الآية؛ وثانياً، عملية السماح لكلّ الحواس للتلاقي بشكل طبيعي
في نقطة واحدة والبقاء هناك في حالة من القناعة. هذا الطريق الثاني يتم
وصفها في الآية القادم.
"والبعض الأخر يقدّمون الصوت والمدركات الأخرى للحواس في نيران الحواس": إن
بعض الناس لهم حواس نشيطة في العالم الخارجي. هذا يعني الاستعمال الصحيح
للحواس من أجل اختبار مدركاتها، يترقبون فقط الأشياء المحرّمة، يعتبر أيضا
بأنها أداء الياغْيا.
هكذا يكون معنى هذه الآية واضحاً. يحول البعض حواسهم إلى الداخل من خلال
ممارسة التأمل التجاوزي وبذلك يخلقون حالة تتلاقى فيها حواسهم بشكل آلي في
الكينونة، بالتالي يكملون بشكل طبيعي الغية الحقيقية للسيطرة. والآخرون لا
يتأمّلون لكن يبقون حواسهم تحت سيطرة العمل المستقيم؛ بعدم السماح لحواسهم
اختبار الأشياء المحرّمة، إنه أيضاً يتبعون طريق الياغْيا ويتطوّرون للوصول
العلي. إن هذا العملية هي بطيئة وصعبة؛ إنها صعبة لأن أساس العمل الصحيح هو
في الوعي الصافي. إن العمل الصحيح من دون أساس صحيح هو صعب جداً، إن لم يكن
مستحيلاً. ولكن ومع التأمل التجاوزي، من السّهل كسب الوعي الصافي وبالتالي
أداء العمل الصحيح بشكل تلقائي.
الآية السابعة والعشرون
والبعض الأخر يقدم كل نشاطات الحواس
ونشاطات نفَس الحياة في نار اليوغا،
التي هي السيطرة الذاتية المتقدة بالتنوير.
من المفهوم بشكل عام بأنّ ممارسة السيطرة الذاتية هي ضرورية لجلب التنوير؛
هذا ما يتناقض بشكل واضح مع تعاليم المولى، الذي يصرّح بشكل محدّد بأنّ
السيطرة الذاتية هي نتيجة حالة التنوير. في أثناء عملية التأمل التجاوزي،
عندما يدخل العقل المستويات المرهفة للاختبار، ينخفض نشاط كلّ الحواس
وأخيراً يوقّف؛ ويصبح النفس أيضاً أكثر صفاء ويتوقّف في النهاية. هذا هو
تقدمة " كل نشاطات الحواس ونشاطات نفَس الحياة في نار اليوغا".
"السيطرة الذاتية المتقدة بالتنوير": تعني السيطرة الذاتية بقاء الذات في
داخل ذاتها من دون أيّ انحراف إلى العالم الخارجي. وسيطرة العقل في حالتها
المثالية تعني بأن يبقى العقل في ذاته من دون أيّ انحراف إلى العالم
الخارجي. وأية درجة أقل من سيطرة العقل ستكون انحرافاً إلى العالم الخارجي
باتجاه مرغوب فيه. كذلك، تعني سيطرة الحواس في حالتها المثالية بأن تبقى
الحواس في ذاتها من دون أيّ انحراف إلى العالم الخارجي. وأية درجة أقل من
سيطرة الحواس ستكون انحرافاً إلى العالم الخارجي باتجاه مرغوب فيه.
"السيطرة الذاتية المتقدة بالتنوير" تعني حالة مثالية للسيطرة على الذات
والعقل والحواس. تعني بأنّه في حالة التنوير، أو الوعي الصافي، في حالة
الكينونة، يتم وضع العقل والحواس في ذاتها من دون أيّ انحراف إلى العالم
الخارجي. هذا يحدث في الحالة التجاوزية المجردة من أيّ نشاط. عندما تصبح
هذه الحالة التجاوزية للوعي دائمة وتتحوّل إلى الوعي الكوني، عندئذ يرسو
العقل في حالة الكينونة ويتقبل النشاط في العالم الخارجي بالاتجاه المرغوب.
وهكذا يبقى العقل، حتى عندما يكون نشيطاً، ضمن مجال السيطرة الذاتية. وتتبع
الحواس دوماً نمط العقل، لذلك عندما يكون العقل في هذه الحالة من السيطرة
الذاتية، يبقى نشاط الحواس أيضاً بشكل تلقائي وتام ضمن حدود السيطرة
الذاتية. هذا ما يعني بأنّ الحواس تعمل آليا في الاتجاه الصحيح.
هكذا، وبواسطة كسب حالة التنوير، يتم تقديم "نشاطات الحواس ونفَس الحياة"
في "نار اليوغا". لذلك، إنه من الواضح أن "نار اليوغا" يجب أن تضيء أولاً،
وبعدئذ فقط تتبعها السيطرة.
يجب أن نلحظ أنه استناداً على هذه الحالة من السيطرة الذاتية على المستوى
الكوني، يستمر نشاط الخليقة وتطور الحياة الكونية بشكل آني بطبيعة الغونات
الثلاثة، في حين تبقى الكينونة الكونية لله غير متورطة بالنشاط. هذه هي
الصورة الوظيفة الداخلية للحياة الكونية؛ تظهر العفويّة والدقّة التي تقود
نشاط الحياة الكونية مستندة على السيطرة الذاتية.
لقد تم تعريف اليوغا هنا بأنها حالة السيطرة الذاتية التي توجد بشكل تلقائي
بالتنوير، بإدراك الذات في الوعي التجاوزي، وبالتالي في حالة الوعي الكوني
كذلك.
إن وعي الله هي الحالة العليا للتنوير. عندما يتم اكتساب هذه الحالة، ترتفع
السيطرة الذاتية على مستوى الحياة الفردية إلى السيطرة الذاتية على مستوى
الحياة الكونية.
الآية الثامنة والعشرون
والبعض كذلك يؤدي اليغيا بالتضحية
بممتلكاتهم المادية، وبالتقشف،
وممارسة اليوغا؛ في حين بعض
أصحاب النذور الصارمة يؤدون اليغيا
بالتضحية في دراساتهم الدينية ومعرفتهم
يصف هنا المولى الطرق المادية والجسدية والعقلية في التنقية من أجل التطور،
ومن أجل كسب الحرية في الوعي الكوني واكتمالها في وعي الله.
"اليغيا بالتضحية بممتلكاتهم المادية" تدلّ على إعطاء الثروة إلى من
يستحقها. وتعني أداء الطقوس الفيدية أيضاً بتقديم نيران الأضاحي.
أداء الياغْيا "بالتقشّف" تعني تعريض الجسم للسخونة والبرودة وغيرها من
الآلام من أجل التنقية.
"بممارسة اليوغا": انظر الفصل الثّاني، الآية 45 و50؛ والفصل الثّالث،
الآية 7.
"يؤدون اليغيا بالتضحية في دراساتهم الدينية ومعرفتهم": يجلسون ويتأمّلون
ويتجاوزون حقل التعلّم؛ يختبرون الكينونة التجاوزية، التي هي هدف كلّ تعلّم
الآية التاسعة والعشرون
وآخرون أيضاً، من يثابرون على
تمارين التنفس، يسكبون النفس الداخل
في النفس الخارج، والنفس الخارج في
النفس الداخل، ويكبتوا مجال الشهيق والزفير
يوضّح المولى هنا إلى أرجونا بأنّ هناك صنف من الباحثين عن الحقيقة الذين
يحاولون الإدراك من خلال عملية تمارين التنفّس. يسكبون "النفس الداخل في
النفس الخارج و النفس الخارج في النفس الداخل"، وبالتالي يكبتوا "مجال
الشهيق والزفير". هذا يؤدّي إلى تعليق التنفّس، الذي يجلب العقل إلى السكون
في صمت وعي الغبطة. ويثقّف الجهاز العصبي بشكل آني لإبقاء هذه الحالة من
الوعي. لهذا السبب تعتبر ممارسة تمارين التنفّس بمثابة الياغْيا.
يعطي التأمل التجاوزي اكتمال لمتطلبات هذه الآية أيضاً، لأنه في أثناء
ممارسته، يبدأ النفس الخارج والداخل بشكل آني بالانخفاض كي يصبح خفيف جداً.
يصبح تدفق النفس الخارج أقل، كما يصبح تدفق النفس الداخل أقل. هذه الظاهرة
للنقص الآني للاثنين يتم وصفها بسكب الواحد في الآخر. هكذا، ومن خلال
ممارسة التأمل التجاوزي، بطريقة سهلة جداَ، يسكب الفرد "النفس الداخل في
النفس الخارج و النفس الخارج في النفس الداخل".
الآية الثلاثون
وهناك أيضاً من يحدد تغذية الحواس،
يقدم الأنفاس في الأنفاس،
هؤلاء جميعاً هم حقاً من يعرف تأدية اليغيا،
من خلال اليغيا تُغسل عنهم خطاياهم
عندما يحدّد الإنسان غذائه، تتطلب العملية الأيضة أقل أوكسجين، ولذا يصبح
تنفّسه خفيفاً جداً.
"يحدّد تغذيتها" تعني عدم تغذّية الحواس بمدركاتها، وعدم الانشغال بالعمل
أو حتى بالفكرة. يتطلب عدم الارتباط هذا في النشاط تخفيض في عملية الأيض،
التي تتطلب بدورها تخفيض النشاط التنفسي. هذا، كما تم شرحه في الآية
السابقة، ما يعني به المولى: "يقدم الأنفاس في الأنفاس".
كلّ هذه هي الطرق المختلفة لتنقية الفرد؛ لهذا تدعى كلها بالياغْيا. من
خلال ممارستها "تُغسل عنهم خطاياهم". يرد في البرهمابيندو أوبانيشاد بأنّ
الجبل الضخم من الخطايا الممتد لأميال ينهار بالتوحيد التي يتم بلوغه من
خلال التأمل التجاوزي والذي من دونه لا يوجد هناك مخرجاً. |