|
الآية الحادية والسبعون
عندما يعمل الإنسان دون تشوّق،
ومتخلّيٌ عن كل الرغبات، ومتخلصاً
من الشعور بالأنا والتملك،
يصل إلى السلام.
"متخلّيٌ عن كل الرغبات" لا تعني بأنّ العقل لن يستضيف أيّ رغبات، لأن ذلك
ليس ممكناً للكائن الحي. إنها تعني بأنّ الذات قد تم إدراكها بأنها منفصلة
عن النشاط، كما تم توضيحه في تفسير الآية 55. لأن الإنسان وفي هذه الحالة
يعمل في حين يبقى "متحرراً من الشعور بالأنا والتملك"، من الطبيعي جداً أن
النشاط لا تزعج في أية طريقة حالته للفكر المثبت. لقد اكتسب تلك الحرية
الأبديّة في الحياة حيث تبقى منزلة كينونة الفرد غير متأثّرة بأيّ نشاط.
تسلط الآية التالية الضوء أكثر على هذه النقطة.
لكي "يتخلى عن كلّ الرغبات" تعني أن يكسب الوعي القدسي التجاوزي بشكل دائم.
هذا ما يحدث من خلال التأمل.
عندما يخرج العقل، بعد التأمل، متشرباً للطبيعة القدسية التجاوزية، يتصرّف
الفرد في العالم، ويكون هذا التصرف بشكل طبيعي جداً خالياً من ضيق الفردية
التافهة، ومن قصر النظر للتعلق الأناني، الذي احتجزه سابقاً سجيناً. يتحرّك
كلّ شيء طبقا للخطة الكونية، وبالرغم من أن الأنا الفردي تواصل عملها، يكون
العمل منبثقاً من الذكاء القدسي العامل من خلال الفرد الذي يعيش الوجود
الكوني.
إن مثل هذه الحياة هي التعبير طبيعي جداً عن الذكاء الكوني في العالم. إنها
تمثّل حالة الحرية الأبديّة هنا على الأرض. لا يوجد شيء في العالم يمكنه
حجب هذه الحالة أو التشويش عليها، لأنها تتضمن كلّ ما هو موجود بين طرفي
الحياة المتناقضين - الطبيعة القدسية التجاوزية للمطلق والطبيعة البشرية في
الوجود النسبي.
الآية الثانية
والسبعون
هذه هي حالة البْرَهْمان، يا باترا،
وبالوصول إليها، لا يضلّل الإنسان.
وبالتثبّت بها، حتى وفي اللحظة
الأخيرة، يصل الإنسان إلى الحرية
الأبدية في الوعي القدسي.
إنّ حالة الحياة الموصوفة في الآية السابقة، يقول المولى، هي حالة الوعي
الكوني. من أجل أن يصل الإنسان إلى هذه الحالة، من الضروري أن يكسب استقرار
الوعي الذاتي في وسط النشاط. يستلزم هذا تثقيف الجهاز العصبي، مقر الوعي،
بطريقة بحيث أنّ يصبح قادراً على الحفاظ على الوعي الذاتي، الذي هو في
طبيعته تجاوزي، سويّة مع حالات وعي اليقظة أو الحلم أو النوم. إنّ عملية
تنقية الجهاز العصبي هي عملية حسّاسة وتأخذ وقتها الخاص، معتمدة على
العوامل المختلفة للحياة الفردية.
عندما يتجاوز العقل في أثناء التأمل التجاوزي، يصل تفاعل الجسم (الأيض) إلى
أدنى نقطة له؛ كذلك عملية التنفّس، ويكسب الجهاز العصبي حالة التأهب المريح
التي، على المستوى المادي، يقابلها حالة وعي الغبطة، أو الكينونة
التجاوزية. لكي يتم المحافظة على وعي حالة اليقظة سويّة مع وعي الغبطة
التجاوزي، من الضروري للجهاز العصبي أن لا يفقد هذه الحالة للتأهب المريح
التي تقابل وعي الغبطة. وفي نفس الوقت، يجب أن يحافظ الجهاز العصبي على
نسبة لتفاعل الجسم (الأيض) في مقابل النشاط الذي يجري في حالة اليقظة.
لكي يحدث هذا، إن الممارسة المنتظمة والمستمرة لمثل هذا التأمل كي يقود إلى
الوعي التجاوزي هي ضرورية. ويجب أن يتبع ذلك النشاط، لأن النشاط بعد التأمل
يجلب التشرّب للكينونة التجاوزية إلى طبيعة العقل ومن خلاله إلى كلّ أوجه
حياة الفرد في الحقل النسبي. ومع الممارسة الثابتة للتأمل، يستمر هذا
التشرّب في النمو وعندما ينمو بشكل كامل يكون قد تم الوصول إلى الوعي
الكوني.
عندما يتم الوصول إلى هذه الحالة، يكون السقوط منها مستحيلاً. فهي يحمل
الوعي التجاوزي سليماً في حقل كلّ الحالات النسبية، اليقظة والحلم والنوم
العميق. هكذا، وفي "حالة البراهمان"، حالة الحياة الأبديّة، ينتمي كلّ من
النشاط والسكون للوجود النسبي إلى الكينونة المطلقة.
بعد الوصول إلى هذه الحالة، تكون حياة الإنسان حقاً التعبير عن الحياة
القدسية. توجد الحياة القدسية في الحياة الفردية، الكينونة المطلقة على
المستوى البشري، الحرية الأبديّة ضمن قيود الفردية: الزمان والمكان
والسببية. سيكون أمراً خاطئاً تخمين حالة الوعي الكوني في الإنسان بأيّ شيء
يصدر عنه في حقل العمل، لأن هذه الحالة تقبل كلّ نشاط، أكان كبيراً أم
صغيراً، وفي نفس الوقت تحتفظ بالسكينة التامة. لا يمكن الحكم على حالته، من
حيث المبدأ، بما يقوم به. لا يوجد أي إشارات خارجية للإنسان الذي ارتفع إلى
هذه الحالة للبراهمان.
إن أولئك الباحثين عن الحقيقة الذين قبلوا حياة الزهد يواصلون بشكل طبيعي
الامتناع عن كلّ نشاطات الحياة حتى عندما يصلوا إلى الوعي الكوني. وهذا
بسبب عادتهم الطويلة الراسخة فيهم لعدم الانغماس في النشاط. وبالطّريقة
نفسها، عندما ينشغل الناس في العالم بشكل نشيط في العديد من مراحل الحياة،
يصلون إلى حالة الوعي الكوني من خلال اليوغا، ويواصلون التصرّف بشكل رئيسي
من قوة العادة. لكن سواء كانوا مشتركين في النشاط أو يتبعون حياة هادئة،
تكون النفس المتطورة إلى هذه الحالة الكونية مطمئنة إلى الأبد.
إن هذه الحالة هي نفسها أبداً، سواء كان العقل نشيطاً في حالة اليقظة أو
الحلم، أو خمول النوم العميق. إنها حالة التحرر الأبدي في أثناء الحياة هنا
على الأرض. تعطي كلمات المولى "حتى وفي اللحظة الأخيرة" التأكيد القوي بأنّ
اكتمال غاية الحياة سيتحقق من خلال تعاليم هذا الفصل. لقد أعطي أرْجونا كلّ
ما يحتاج لتمكينه من الارتفاع إلى "الحرية الأبديّة في الوعي القدسي".
هكذا، في أوبانيشاد البهاغافاد غيتا المجيدة،
وفي علم المطلق، وفي نصوص اليوغا،
وفي الحوار بين المولى كريشنا وأرْجونا،
ينتهي الفصل الثاني، بعنوان:
يوغا المعرفة ويوغا السانكهيا. |