اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل الثاني 41 إلى 45
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل الثاني 1 إلى 5
الفصل الثاني 6 إلى 10
الفصل الثاني 11 إلى 15
الفصل الثاني 16 إلى 20
الفصل الثاني 21 إلى 25
الفصل الثاني 26 إلى 30
الفصل الثاني 31 إلى 35
الفصل الثاني 36 إلى 40
الفصل الثاني 41 إلى 45
الفصل الثاني 46 إلى 50
الفصل الثاني 51 إلى 55
الفصل الثاني 56 إلى 60
الفصل الثاني 61 إلى 65
الفصل الثاني 66 إلى 70
الفصل الثاني 71 إلى 72

الآية الحادية والأربعون

في هذا اليوغا، يا فرح الكوريين،
إنّ الفكر الحازم هو أحادي التوجّه،
لكنه كثير التفرع ومتنوع بلا نهاية
فكر المتردّدين.

"في هذا اليوغا": في هذا الطريق إلى الغبطة. عندما يتحرّك العقل نحو الغبطة، يواجه ازدياد الانجذاب في كلّ خطوة؛ كما عندما يتقدم الفرد نحو الضوء، تزيد الغزارة بشكل مستمر. عندما يختبر العقل السعادة المتزايدة، فلا يتجوّل بعدئذ؛ يبقى مركّزاً في اتجاه واحد، ثابت وحازم. هكذا تكون الحالة العقلية التي تتحرّك في اتجاه الغبطة، وعندما يصل إلى الاختبار المباشر للغبطة، يفقد كلّ اتصال مع الخارج ويكون مطمئناُ في حالة وعي الغبطة التجاوزي. عندما يخرج العقل من هذه الحالة إلى حقل العمل ثانية، يبقى مطمئناً بالتالي يحافظ على حالته الحازمة إلى درجة أكبر أو أقل. خلال الممارسة تصبح هذه الحالة ثابتة. هذا ما يعني به المولى عندما يقول "بأنّ في هذه اليوغا … الفكر الحازم هو أحادي التوجّه".
إن عقول أولئك الذين لا يمارسون هذه اليوغا هي بشكل ثابت في حقل الاختبار الحسّي. هذا ما يخفق في تزويد العقل بتلك البهجة العظيمة التي وحدها يمكنها أن تروي عطشه للسعادة. لهذا السبب إن عقول مثل هؤلاء الناس تواصل البحث والتجوّل بشكل لانهائي.
يوضّح المولى هنا الآية 38 بشكل أكبر. ينصح أرْجونا في الارتفاع إلى حالة الفكر الحازم. فقط في هذه الحالة سيكون قادراً على اكتساب مساواة العقل في اللذة والألم والخسارة والربح والنصر والهزيمة، الذي يجعلها المولى المطلب الأولي للمعركة.
قد يظهر بأنّ هناك شيء سلبي في هذه المقاربة إلى الحقيقة، وبالرغم من أن الغاية في تثبيت أرْجونا في الحالة العقلية الحازمة، في هذه الآية، يتم التأكيد على خصائص العقل المتردّد. هذا هامّ جداً. إذا كان الإنسان على قمّة جبل، ويرغب في توجيه شخص أخرى في منتصف الطريق صعوداً، يستمرّ بالصياح ليدله على الاتّجاهات حيث يقف هو بنفسه، لن يساعد ذلك الشخص الآخر في الوصول إلى القمة. إنّ الطريق المباشر لتوجيهه إلى فوق هو في أن يخبره أولاً أين هو موجود ويصف له بيئته المحيطة، وهكذا يجعله مدركاً لموقعه الخاص، وبعد ذلك يوجّهه إلى القمّة. إن أرْجونا في حالة من التردد، ونية المولى هي في جلبه إلى الحالة الحازمة بأن يظهر له أولاً كلّ شيء عن الحالة المتردّدة لعقله، وبعد ذلك يوجّهه إلى الحالة الحازمة.
بعد أن أشار إلى هاتين الحالتين العقليتين، يوضّح المولى، في الآيات الثلاثة التالية، الحالات التي فيها يواصل العقل في البقاء متردّداً. وبعد ذلك سيوجّه أرْجونا للارتفاع من تلك الحالة ويصبح حازماً، لكي يثبت عقله في الحقيقة.
 

 

الآية الثانية والأربعون

إن قصيري النظر المنهمكون
في رسالة الفيدا، يا بارتا،
يصرحون بأنه لا يوجد شيء
غير ذلك، ويتكلمون ببلاغة.

إنّ الفيدا هي شروح أصيلة لطريق التطور. إنها توضّح، خطوة بخطوة، العملية التدريجية لتكامل الحياة وتعلّم المعرفة التي بها قد يرتفع الإنسان بسرعة من خلال كلّ مستويات التطوّر ويبلغ التحرر النهائي.
من أجل تمكين الإنسان على الربح بهذه الحكمة العظيمة للحياة، تؤيد الفيدا المسلك المنضبط للعمل والفكر. يتم التعامل مع انضباط العمل في تلك الفصول التي تدعى بشكل جماعي الكارما كاندا، التي تعني ما يخص العمل، في حين أن انضباط العقل يُعرض في الفصول التي تدعى أوباسانا كاندا، التي تعني ما يخصّ العقل فيما يتعلق بالحقيقة.
إن طبيعة الحقيقة السامية والتي هي في اكتمال الحياة تشكّل موضوع الفصول التي تدعى بشكل جماعي غيانا كاندا، التي تعني ما يخصّ المعرفة.
إنّ غاية الكارما كاندا الفيدية في وضع أسس لقواعد العمل التي ستجلب النجاح والازدهار في هذه الحياة وفيما بعد. إنها تتعامل مع الشعائر والطقوس الضرورية لتثبيت التنسيق بين الأوجه المختلفة للحياة الفردية: التنسيق بين الإنسان والمخلوقات الأخرى، وبين الإنسان والقوى المختلفة في الطبيعة، وبين الإنسان والملائكة، وبين الإنسان والله الّذي في السّماء.
إنها حكمة عملية عظيمة للنظام الأعلى؛ تتعامل مع الأنواع غير المعدودة من العمل والطبيعة المتعذر فهمها لتأثيرها. عندما يبدأ أولئك المتعلّمون في هذا المضمار بتنوير الآخرين، يكون حديثهم سحراً وإيجابياً. ويكون شرحهم عن نظرية المناسك والطقوس وممارستها كاملاً جداً بحد ذاته ويكون حاسماً ودقيقاً جداً في طبيعته كونه موثوقاً به بشكل كامل.
تعرض الكارما كاندا للفيدا شروط معيّنة لنيل النتائج المعيّنة. إنها شرح واضح وعملي لقوانين الطبيعة التي تتحكّم بالسبب والتأثير في الخليق.
إن تطلّعات الإنسان غير معدودة، وغير معدودة الأهداف الّتي سينجزها. وغير معدودة أيضاً طرق ووسائل العمل لبلوغ هذه الأهداف. إنّ غرض الكارما كاندا هي في جعل التنسيق بين العقل والجسم وقوى الطبيعة بطريقة بحيث تؤدّي إلى التقدّم إلى مستوى أعلى وإلى نوعية محسّنة من الحياة.
إنّ غاية أوباسانا كاندا هي في جعل التنسيق بين العقل والقوى الداخلية للطبيعة والكينونة التجاوزية النهائي بطريقة بحيث تؤدّي إلى تكامل الحياة.
يشير المولى في هذه الآية والآيتين والتاليتين إلى الكارما كاندا، وبعد ذلك في الآية الخامسة والأربعون يظهر السمة العملية المجيدة لأوباسانا كاندا - التي تجلب العقل المشتت إلى حالة حازمة، لكي يمكن تثبيته في الحقيقية ويمكنه أن تعيشها، وبذلك تكتمل غاية غيانا كاندا للفيدا. هذا ما يجعل البهاغافاد غيتا جوهر الفيدا والطريق السريع إلى اكتمال الطريقة الفيدية للحياة.


 

الآية الثالثة والأربعون

ممتلئون بالرغبات، وبالجنة كهدف لهم،
يدّعون (بكلماتهم) أن الولادة هي مكافأة
للأعمال ويصفون العديد من الشعائر
الخاصّة لنيل المتعة والقوّة.

تتكلّم هذه الآية عن ميل الإنسان للجوء إلى الشعائر الفيدية من أجل نيل حياة أفضل وبهجة دنيوية أعظم. إنّ نتيجة الاستغراق في الرغبات الدنيوية هي في بقاء الفرد في دوامة الولادة والموت. لأن بهجة الحواس لا يمكنها أن ترضي أبداً؛ إنها تورط الإنسان أكثر فأكثر وهكذا تبقينه في العبودية. ولعدم وجود أي فرصة للقناعة الدائمة، تستمرّ دورة الولادة والموت.
تكشف الآية التالية الخسارة التي تحدث عندما يتورّط العقل في هذه البهجة التي تغني الحياة فقط بالمكاسب المادية.


 

الآية الرابعة والأربعون

لا تظهر الحالة الحازمة للفكر في
عقل أولئك المرتبطون بعمق بالمتعة
والقوّة ويكون فكرهم مأسوراً
بتلك (الكلمات المتأنقة).


ليس من الضروري أن نعتبر أن الإنسان الذي يمتلك معرفة نسبية كبيرة لا تستطيع أن يمتلك حكمة المطلق أيضاً. إذا كان باستطاعة الإنسان الأمّي أن يتمتّع بالغبطة المطلقة التي هي كينونته الخاصة، لما لا يتمتع بها الإنسان المتعلّم؟ لا ترفض الآية المتعة والقوّة الدنيوية، ولا الحكمة الفيدية للعمل، التي هي طريقة كسب مثل هذه المتعة والقوّة، بل ترفض الحالة العقلية في الاستغراق فيهم التي تنتج عن سماع مجد الشعائر الفيدي بكلمات متأنقة بلاغة.
إنه من غير المفاجئ بأنّ يعلن أولئك المنشغلون دائماً في حقل العمل بأنّ كلّ ما يريدونه يمكن نيله من خلال العمل - وبشكل محدّد من خلال الطريقة الفيدية للعمل، التي تؤمن، بلا شك، الطريق المباشر إلى نيل أيّ شيء مهما كان. إن وجهة النظر هذه، في حين أنها صحيحة جداً في الحقل النسبي للحياة، من الواضح أنها لا تعنى بالكينونة المطلقة. تشمل الحقول الظاهرة وغير الظاهرة للحياة سوية كلّ الحقيقة. لكن أولئك الذين يمتلكون فقط حكمة الكارما كاندا الفيدية، يطمحون ضمن مجال الحقل الظاهر وحده. لا تعطيهم حكمتهم للعمل مباشرة حكمة الحقل غير الظاهر للحقيقة.
بسبب النقص في معرفة المطلق غير الظاهر، نسمع مثل هؤلاء الناس يدعون بلغة مبالغة بأنّه لا يوجد شيء ما بعد حقل العمل الفيدي (الآية 42).
في الآية الثالثة والأربعون، يصوّر المولى العقل يقع بسرعة في قبضة العمل. مسحورٌ باللغة المتأنقة والمبالغة التي تدعي مجد العمل، يصبح متورطاً في النشاطات النشيطة والمنوّعة. يبقى مثل هذا العقل الدائم النشاط بشكل طبيعي خارج نطاق الفكر الحازم.
تبقي البهجة الدنيوية، سوية مع إحساس التقدّم من خلال العمل والجهد، العقل منشغلاً في النشاطات الخارجية. من الصعب لهذا العقل أن يميل إلى التقارب نحو الحالة الحازمة لوحده؛ يشغل النشاط العقل في التنويع، وبذلك يكون معارضاً بشكل واضح لعملية التقارب، التي تؤدّي إلى الحالة الحازمة. فقط مع وجود النيّة وتلقي التوجيه يمكن للعقل أن يكسب التوجّه الأحادي، وذلك حتى في وسط "المتعة والقوّة".
في الآية التالية، يعطي المولى المبدأ الذي يجلب، مثل هذا العقل المشتت إلى الحالة الحازمة.

 

 

الآية الخامسة والأربعون

إن ما تعنى به الفيدا هي الغونات الثلاثة،
كن من دون الغونات الثلاثة، يا أرْجونا،
متحرّراً من الثنائية، حازماً أبداً في النقاوة،
مستقلاً عن التملّك المملوك من الذات.

هذه هي تقنية الإدراك الفوري. يظهر المولى إلى أرْجونا الطريق العملي لتلاقي العقل الكثير التفرع إلى التوجّه الأحادي للفكر الحازم. ها هي التقنية الفعّالة لجلب العقل إلى حالة حيث تذوّب فيها كلّ الاختلافات وتترك الفرد في حالة الاكتمال.
إن كلّ ما قيل حتى الآن من قبل المولى كريشنا هو لتهيّئة أرْجونا كي يفهم هذه الممارسة لجلب العقل من حقل التعدّد إلى تلك الوحدة الأبديّة. إن هذه الممارسة هي لتبهج كلّ أوجه حياته بجلب عقله إلى الوعي التجاوزي، المصدر غير المحدود للحياة والطاقة والحكمة والسلام والسعادة. إنه من أجل أن يرفعه إلى تلك المنزلة الكونية التي تنسّق كلّ القوى المتعارضة للحياة.
تتحقق النظريات النفسية الحديثة من الأسباب من أجل التأثير على التأثيرات. يتلمّسون الطريق المظلم لإيجاد سبب الظلام لكي يزيلونه. في التمييز بالتغاير، ها هي فكرة جلب النور لإزالة الظلام. هذا هو "مبدأ العنصر الثاني". إذا كنت ترغب في إحداث التأثير على العنصر الأول، أهمل ذلك العنصر، لا تبحث عن المسبب له؛ أثّر عليه مباشرة بتقديم العنصر الثاني. أزل الظلام بتقديم النور. خذ العقل إلى حقل السعادة لكي يخلص من المعاناة.
على أية حال، حتى إذا قبلنا بأنّ التحقق من المسبب يسهّل عملية التأثير على الأثر، سنجد بأنّ هذه الآية ستخدم غايتنا، لأنها يؤمن التقنية التي بها يمكن التحقّق من السبب النهائي لكلّ الحياة البشرية. إذا كان ممكناً بمعرفة المسبب المساعد في التأثير على الأثر، سوف تضع معرفة المسبب النهائي للحياة حدّاً عملياً لكلّ معاناة.
تكمن عظمة تعاليم المولى كريشنا في نظرتها العملية المباشرة وكمالها من كلّ أوجه النظر. إن فكرة تقديم العنصر الثاني وفكرة التحقق من المسبب من أجل التأثير على أثره، يمثّلان مبدأين متعارضين بوضوح لبعضهما البعض، ورغم ذلك كلاهما يكتملان في تقنية واحدة. إنه هذا الكمال للحكمة العملية الذي جعل البهاغافاد غيتا خالدة.
يأمر المولى كريشنا أرْجونا: "كنّ من دون الغونات الثلاثة": كنّ من دون النشاط، بذاتك. هذا هو الوعي الحازم، حالة الكينونة المطلقة، التي هي المسبب النهائي لكلّ الأسباب. تجلب هذه الحالة من الوعي الانسجام إلى الحقل الكامل للسبب والتأثير وتمجّد كلّ الحياة.
كانت مشكلة أرْجونا الرئيسية في التوفيق يبن حبّه للأقرباء والضرورة لاستئصال الشرّ. كان يبحث بشغف عن صيغة للتسوية بين الاستقامة والشرّ. لكن، وعلى أيّ طبقة من الحياة النسبية، هذان لا يتوافقان. لهذا السبب، وبعد أن استكشف كلّ دروب قلبه وعقله، لم يستطع أرْجونا أن يجد أيّ حلّ عملي، ولم يستطع أن يقرّر على أيّ خطّ للعمل. لكن المولى كريشنا، يظهر له الحقل حيث تندمج الاستقامة والحبّ في الانسجام الأبدي، الحياة الأبديّة للكينونة المطلقة.
يوضح المولى إلى أرْجونا أن كلّ تأثيرات العالم الخارجي، ونتائجها أيضاً، سوف تتشبث به وتؤثّر عليه طالما هو خارج نفسه، وطالما يسمح لنفسه في البقاء في مجال النسبية وتحت تأثيره. عندما يخرج من ذلك المجال، سيجد الاكتمال في ذاته الخاصة.
من الصعب على الإنسان تحسين شؤون عمله عندما يكون هو بنفسه مستغرقاً بشكل ثابت في كلّ التفاصيل. إذا ترك لفترة وجيزة، يصبح قادراً على رؤية العمل ككل ويمكنه أن يقرّر بسهولة أكثر ما هو المطلوب. لدى أرْجونا الاعتقاد العميق في الدْهرما؛ وعقله واضح حول اعتبارات الصواب والخطأ. لكن المولى يطلب منه ترك الحقل الكامل للصواب والخطأ من أجل نيل حقل المتجاوز المتعالي. هناك، وبثباته في حالة خلف كلّ الثنائية، وخلف تأثير الصواب والخطأ، سيتمتّع بالحكمة المطلقة للحياة، التي تنبع منها كلّ معرفة العالم النسبي. ويقول المولى إلى أرْجونا: إن حقل تلك الحكمة المطلقة ليست خارج عنك. ليس عليك الخروج إلى أي مكان لاكتسابه. إنه في داخلك. عليك فقط أن تكون في داخل ذاتك، "مملوكاً من الذات"، حازم أبداً في نقاوة الكينونة.
ها هي حقاً المهارة في جلب النور لإزالة الظلام. لم يطلب من أرْجونا المجيء أو الذهاب إلى أيّ مكان؛ يُطلب منه فقط "كنّ من دون الغونات الثلاثة". تخدم هذه التعليمة كوسيلة مباشرة لأخذ الإنسان رجل إلى الحالة المطلقة لوعيه. يكتفي المولى بالقول: "كنّ من دون الغونات الثلاثة، يا أرْجونا متحرراً من الثنائية".
تتكون الخليقة بكاملها من تفاعل الغونات الثلاثة - ساتفا ورجس وطمس – المولودة من البْركْريتي، أي الطبيعة. تتواصل عملية التطور بهذه الغونات الثلاثة. التطور يعني الخلق ونموه المتقدمّ، وفي أساسه يكمن النشاط. يحتاج النشاط إلى الراجو-غونا لخلق الحافز، وهو يحتاج إلى ساتو-غونا و طامو-غونا لتأييد اتجاه الحركة.
إنّ طبيعة طامو-غونا هي في التدقيق أو الإعاقة، لكنّ لا يجب أن نفكّر بأنّه عندما تكون الحركة متجهة إلى أعلى تكون طامو-غونا غائبة. لأنه من أجل استمرار أي عملية، يجب أن يكون هناك مراحل في تلك العملية، وكلّ مرحلة، ومهما كانت صغيرة في الزمان والمكان، تحتاج إلى قوة لحفاظ عليها وقوة أخرى لنموها إلى مرحلة جديدة. إنّ القوة التي تنميها إلى مرحلة جديدة هي ساتو-غونا، في حين طامو-غونا هي التي تدقّق أو تعيق العملية لكي تحافظ على الحالة التي نتجت لكي تشكّل القاعدة للمرحلة القادمة.
يوضّح هذا لماذا يتحتم على الغونات الثلاثة أن تكون سوية. لا يمكن لأي غونا منفردة أن تتواجد منعزلة من دون حضور الاثنتان الأخيرتان. إنه لهذا السبب يسأل المولى أرْجونا بأن يكون خارج كلّ الغونات الثلاثة، ليكون كليّاً خارج تأثير القوى التي يشكّل الحياة في الحقل النسبي.
بينما يعطيه حكمة السانْكْهيا، أخبر المولى أرْجونا بأنّ هناك وجهتان للحياة، الوجهة المعرّضة للتلف والوجهة التي لا تتلف. إن الوجهة المعرّضة للتلف هي وجود نسبي، والوجهة التي لا تتلف هي كينونة مطلقة. تخضع كلّ الحياة في الحقل النسبي لتذبذب الغونات. لذلك، ولكي يعطي أرْجونا الاختبار المباشرة للحالة المطلقة للحياة، يسأله "كي يكون من دون الغونات الثلاثة".
هناك طبقات سطحية من الخليقة، وهناك طبقات مرهفة. عندما يقول المولى: "كنّ من دون الغونات الثلاثة" فهو يقصد بأنّ يأخذ أرْجونا انتباهه من الطبقات السطحية للاختبار، مروراً بالطبقات المرهفة وبالتالي إلى الطبقة الأكثر إرهافاً للاختبار؛ وبتجاوزه أيضاً لتلك الطبقة الأكثر إرهافاً، سيكون كلياً خارج الحقل النسبي للحياة، وخارج الغونات الثلاثة. لذلك تكشف كلمات المولى: "كنّ من دون الغونات الثلاثة" سرّ الوصول إلى حالة الوعي الصافي.
عندما تقول إلى شخص ما: "تعال إلى هنا"، تدلّ بهاتين الكلمتين بأنّه يجب أن ينهض ويبدأ بوضع قدم واحدة أمام الأخرى، وبأنّ هذا المشي على كلتا القدمين سيجلبه إليك. عندما يقول المولى: "كنّ من دون الغونات الثلاثة" فهو يعني بوضوح بأنّه من أيّنما تقف في حقل الغونات الثلاثة، عليك أن تبدأ بالتحرّك من هناك نحو الطبقات المرهفة للغونات، وبوصولك إلى الطبقة الأكثر إرهافاً، اخرج منها، وتجاوزها، وكنّ بذاتك، "مملوكاً من الذات" – "متحرراً من الثنائية"، "حازماً أبداً في النقاوة"، "مستقلاً عن التملّك".
لقد أعطى المولى كريشنا حقيقةً، في هذه الآية، تقنية الإدراك الذاتي. وقع أرْجونا في التعليق بين ما يمليه عليه كلّ من قلبه وعقله. يقترح المولى عليه بأنّه يجب أن يخرج من النزاع وبعدئذ سيرى طريقه بوضوح. لهذا، وبعد أن قال: "كنّ من دون الغونات الثلاثة" يضيف فوراً: "متحرراً من الثنائية"، متحرراً حقل النزاعات. إنّ الحقل النسبي للحياة ممتلئ بالعناصر المضادة: الحرارة والبرودة والسرور والألم والربح والخسارة، وكلّ الأزواج الأخرى من الأضداد التي تشكّل الحياة، وتحت تأثيرها تتأرجح الحياة كسفينة في بحر هائج من موجة إلى أخرى. لتكون تحرّراً من الثنائية عليك أن تكون في حقل عدم ثنائية، الحالة المطلقة للكينونة. هذا ما يعطي السلاسة والأمان إلى الحياة في الحقل النسبي. إنها مثل المرساة لسفينة الحياة في بحر الغونات الثلاثة. يكسب الفرد الثبات والراحة.
كان أرْجونا حسّاساً جداً إلى الصواب والخطأ. لهذا السبب، بعد أن قال المولى، "متحرراً من الثنائية" يضيف فوراً: "حازم أبداً في النقاوة". إنه يريد طمأنة أرْجونا بأنّ هذه الحالة ستثبت صحتها دائماً، بموجب الدْهرما، معجّلة أبداً في عملية التطور لمصلحة الكلّ. لا يمكن أن ينتج منها أي شيء خاطئ، لأنها هي حالة الاكتمال.
من أجل إيصال هذه الفكرة عن الاكتمال يقول المولى: "مستقلاً من التملّك". إنّ الكلمة السنسكريتية المستعملة في النصّ هي نيريوغاكشيما، التي تحمل المعنى أنه في هذه الحالة ليس المطلوب من الشخص أن يفكّر باكتساب ما لا يملك أو بالحفاظ على ما يملك. إن رغبة دورْيودْهانا لامتلاك الممتلكات والحفاظ عليها هو سبب المعركة. حتى في الحياة العادية للإنسان، إن هذا الميل للتملّك هو الذي يغريه لذهاب في الطريق الخاطئ. لذا يخبر المولى أرْجونا بأنّه سيتجاوز هذا السبب للإثم في الحياة. وبذلك يذكّر أرْجونا أيضاً أن دورْيودْهانا يمكنه أن يأخذ الطريق الخاطئ لأنه اكتسب المملكة والسرور والقوّة لكن لم يكسب حكمة البقاء "مستقلاً من التملّك". لهذا السبب أبقته الأملاك مقيداً بها وفقد إحساسه بالتناسب.
باستعمال هذا التعبير: "مستقلاً عن التملّك"، يعطي المولى الجواب لكلمات أرْجونا الخاصة في الآية 32 من الفصل الأول: أنا لا أرغب بالنصر، يا كريشنا، ولا بالمملكة ولا بالملذات". لقد رأى أرْجونا كيف يمكن للسرور والقوّة أن تخرّب حياة الإنسان بإعمائه بأسباب الاستقامة. يعلّمه المولى كريشنا هنا فنّ الاستقلال في وسط الأملاك، لأنه وبعد المعركة سيوضع أرْجونا في موقع الثروة والقوّة العظيمة.
بعد أن قال: "متحرراً من الثنائية، حازماً أبداً في النقاوة، مستقلاً عن التملّك"، يضيف المولى: "المملوك من الذات". هذا ليشير إلى أرْجونا بأنّ هذه الحالة المباركة للحياة هي ليست بعيدة جداً عنه. إنها في داخل ذاته ولذلك هي دائماً في متناوله. وعلاوة على ذلك، إنها ذاته الخاصة، وليست سوى ذاتها الخاصة.
هناك حضور عظيم للعقل، ومهارة عظيمة في تنوير الجاهل، وارتفاع الكمال في أسلوب هذا الحديث. إذا قيل لك من قبل شخص ما: "أنا سآخذك إلى حقل الحكمة العظيمة ووفرة الحياة" ، من دون أي إشارة إلى موقع ذلك الحقل، قد تشعر بالحيرة حول العديد من الأشياء - حول المسافة، والصعوبات في الطّريق، وقدرتك الخاصة للوصول إلى هناك. لهذا السبب يستعمل المولى الكلمات: "المملوك من الذات". دع ذاتك تكون مملوكة بذاتك. عندما تكون مملوكاً بذاتك، تكون غاية كلّ الحكمة قد أنجزت. هناك تنتهي الفيدا. تلك هي نهاية رحلة الحياة، تلك هي حالة الاكتمال. لهذا السبب، "المملوك من الذات" موضوعة في نهاية الآية.
هاهي التقنية التي تمكّن كلّ إنسان للمجيء إلى مكمن الكنز العظيم في داخل ذاته وبذلك يرتفع فوق كلّ الحزن والحيرة في الحياة. ابتداءً من هذه الآية فصاعداً، تعلن التعاليم الكاملة للبهاغافاد غيتا مجد إنجاز حالة المتجاوز.
إنها هذه الحالة التجاوزية للكينونة هي التي تمكّن الإنسان أن يصبح كارما يوغي، الفرد الناجح في طريق العمل. إنها تلك التي تمكّن الإنسان أن يصبح بهاكتا، الفرد الناجح في طريق العبادة والولاء، وإنها تلك التي تمكّن الإنسان أن يصبح غياني، الفرد الناجح في طريق المعرفة. هذا الطريق السريع إلى اكتمال غاية الحياة.
إذا أراد الإنسان أن يكون مكرساً حقيقياً لله، يجب عليه أن يصبح هو ذاته الصافية؛ يجب أن يحرّر ذاته من تلك الخواص التي لا تنتمي إليه، وعندئذ فقط يمكن أن يكون عنده تكريساً أحدي التوجه. إذا كان مغلّفاً بما هو غريب عنه، سيكون تكريسه مغطّى بذلك العنصر الغريب. ولن يصل تكريسه إلى الله، ولن تصله محبة الله وبركاته. من أجل أن يصل تكريسه إلى الله، من الضروري أنّ يصبح أولاً هو ذاته بصفاء، لا يغطّيها أي شيء. عندئذ ستوصله عملية العبادة والتكريس مباشرة مع المولى، وبذلك يمنحه منزلة المكرّس. فقط عندما يصبح هو ذاته يمكنه أن يستسلم بشكل صحيح إلى الذات العظمى للمولى. إذا يبقى في حقل الغونات الثلاثة، في العديد من أغماد الطبيعة السطحية والمرهفة، ستكون هذه الأغماد هي التي تمنع الاتصال المباشر مع المولى.
لذلك إن الخطوة الأولى نحو الإتحاد من خلال التكريس هي في أن يكون الفرد ذاته. هكذا، وعلى نفس النمط، تكون الخطوة الأولى على طريق غيانا يوغا، طريق الإتحاد من خلال المعرفة، وأيضاً على طريق الإتحاد من خلال العمل، الكارما يوغا؛ لأن حالة الوعي التجاوزي هي حالة غيانا، أي المعرفة، والتي تنقذ من عبودية الكارما. إن هذه الحالة هي أيضاً قاعدة النجاح في أيّ حقل من حقول الحياة. يكون حقل الغونات الثلاثة منشّطاً بنور الكينونة المطلقة خلف الغونات.
تظهر الآية التالية بأنّ غاية كلّ النشاط تكتمل في هذه حالة للكينونة.


 

Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي