|
الآية السادسة والثلاثون
أيْ نوع من السعادة سنكسب بقتلنا
لأبناء دْهْريتاراشْتْرا، يا جنارْدانا
(المولى كْريشْنا)؟ سنجلب لأنفسنا
الخطيئة فقط بقتل هؤلاء المعتدين.
تقدّم هذه الآية تغييراً آخراً في رؤية أرْجونا. في الجيش المعادي، إنه يرى
فقط أقربائه الخاصون؛ الآن، ومرة أخرى، إنهم أبناء دْهْريتاراشْتْرا،
"هؤلاء المعتدين". نظر أرْجونا حتى الآن إلى الوضع من ناحية الحبّ لكنه لم
يصل إلى أي الحلّ لمشكلته. لذلك يقرّر أن يعالجها بالعقل – بالتمييز والحدس
– ورغم ذلك لا يستطيع فجأة ترك امتلاء الحبّ في قلبه. وبالحفاظ على ذلك
الامتلاء في القلب، يبدأ باستعمال عقله أكثر.
ومع إعطاء نفسه الفرصة على التفكير المنطقي، يبدأ نداء الواجب بإحراز
التقدّم. بذلك تتغيّر رؤيته. فيبدأ برؤية أقربائه أنه "معتدون"؛ وتبدأ
الحقيقة بالوضوح. وبرؤيتهم من هذا المنظار، يسأل أرْجونا: "أيْ نوع من
السعادة سنكسب بقتلنا لأبناء دْهْريتاراشْتْرا؟" وعندما يبدأ بالتفكير بهذه
الشروط، يجد أن القتل هو خطيئة.
إن فعل القتل لا ينتج التأثيرات المساندة للحياة لأي فرد في أي وقت كان.
القتل خطيئة إلى الأبد. مهما يمكن المقتول، القتل خطيئة. إن الألم
والمعاناة التي يتسبب بها فعل القتل تنتج التأثيرات السلبية في الخليقة،
ويرتدّ ردّ الفعل على القاتل. لذلك يقول أرْجونا: "سنجلب لأنفسنا الخطيئة
فقط"
كان من المفترض أن يكون قتل المعتدين عملاً من الصواب. توضع النهاية لحياة
المعتدي، وبذلك يمنع من إنتاج التأثيرات الأكثر سلبية له وللآخرين. لكن هذه
السلطة للقتل نشأت اعتبار مختلف جداً. إنّ فعل القتل بحد ذاته، هو خطيئة.
وهذا ما يقلق أرْجونا هنا كثيراً.
يمكن أن يرى القتل أرْجونا بأنه خطيئة حتى عندما يكون في ساحة المعركة. هذا
ما يشير بأنّ عقله واضح ورؤيته ليست مشوشة لا بمشاعر القلب ولا بنداء
الواجب. إنه عميق في الفكر، ويقيّم الحالة من كلّ جوانبها. إن أرْجونا في
درجة عالية من النشاط العقلي والعاطفي. تظهر يقظة عقله وامتلاء قلبه في
قوله البريء للحقيقة: "سنجلب لأنفسنا الخطيئة فقط بقتل هؤلاء المعتدين".
تشير العبارات: "أيْ نوع من السعادة سنكسب" و "سنجلب لأنفسنا الخطيئة فقط"
بأنّ السعادة والمعاناة يتم اعتبارهما أيضاً أنهما مثل الخطيئة والصلاح.
لأن المعاناة تنتج عن الخطيئة، والسعادة من الصلاح.
الآية السابعة والثلاثون
لذلك لن يكون صحيحاً أن نقتل
أبناء دْهْريتاراشْتْرا، أقربائنا.
كيف يمكننا أن نكون سعداء
إذا قتلنا شعبنا، يا مْدهافا؟
ذهبت أرْجونا بحججه إلى مدى أبعد. في السابق كانت
فقط "أمنيته" في عدم القتل، لكن الآن يجد بأنّه ليس "صحيحاً" له أن يشرع في
القتل.
في هذه الآية يبدو أرْجونا يوزن قتل أقربائه من ناحية السعادة التي يمكن أن
تأتي منه: هل يمكن لأي سعادة أن تبقى بعد قتلهم؟ هذا لا يعني بأنّ السعادة
هي معيار العمل لأرْجونا. يريد فقط أن يؤكّد بأنّه لا يرى أيّ سعادة حتى
لتبريرها.
بالتأكيد لقد تم أخذ السعادة في الحسبان في معالجة أداء أيّ عمل، لأن هدف
أيّ عمل هو زيادة السعادة – إن الغاية الحقيقية للخليقة والتطور هي في
توسّع السعادة. لذلك وإذا لا تنتج السعادة من عمل، يسبب ذلك العمل بهزيمة
الغاية الحقيقية للعمل، و لا يمكن تبرير أدائه. لهذا السبب يقول أرْجونا
"لن يكون صحيحاً أن نقتل".
الآية الثامنة
والثلاثون
بالرغم من أن عقولهم
ملبّدة بالطمع،
ولا يروا أي خطأ في جلب
الدمار إلى
العائلة ولا ذنب في
خيانة الأصدقاء،
الآية التاسعة والثلاثون
كيف لا نعرف أن نتحاشى هذه الخطيئة،
نحن الذين نرى بوضوح الخطأ في
تهديم العائلة، يا جنارْدانا؟
تظهر كلمة "نعرف" اهتمام أرْجونا الرئيسي في هذه اللحظة. إنه يحاول أن يفهم
لماذا هو غير قادر على اتخاذ الإجراء الصحيح عندما يرى حقيقة الوضع، ولدرجة
أكبر من ذلك، عندما يعرف ما هو الصحيح.
يظهر أرْجونا قلقه على تأثير الطمع الذي أعمى بصيرة أقربائه ومنعهم من رؤية
"الخطأ". هذا ما يظهر ثانية بأنّ رؤية أرْجونا الواضحة.
تشير نبرة الآية بأنّه لا يعطي ذات الأهمية إلى "الدمار" الفعلي نسبة إلى
"الخطأ" الذي سينتج منه. لكن، ومع كلّ نقاوته ووضوح رؤيته، يخفق أرْجونا في
رؤية نهاية الطريق الصحيح لهذا الذنب في القتل الذي ينتظره. يتّجه إلى
المولى ليستنير منه.
إن مثل هذه اللحظات في الحياة تجعل الإنسان ينهار إلى أقدام الله – اللحظات
التي يرى فيها وأيضاً لا يرى، اللحظات التي يريد أن يتصرّف فيها وأيضاً لا
يقوى على التصرّف.
عندما نتحقق من الميكانيكية الخفية للطبيعة، نجد بأن كلّ شيء في الكون
مرتبط مباشرة بكلّ شيء آخر. إن كلّ شيء يتأثّر بشكل ثابت بكلّ شيء آخر. لا
توجد موجة في البحر مستقلة عن أيّة موجة أخرى. كلّ موجة لها فرديتها
بالتأكيد، لكنّها غير منعزلة عن تأثير الأمواج الأخرى. كلّ موجة لها مجالها
الخاص لتتدفق، لكن هذا المجال يعتمد على المسافة بين كلّ موجة. إنّ حياة
الفرد هي موجة في بحر الحياة الكونية، حيث تؤثّر كلّ موجة بشكل ثابت على
مجال كلّ موجة أخرى.
من المؤكّد أن الإنسان هو سيد قدره. له إرادة حرّة – الهبة العظيمة من الله
إليه – والتي بها يملك الحرية الكاملة في العمل. لكن عندما يؤدي عملاً الذي
يجب عليه أن يتحمّل نتيجته، لأن ردّ الفعل مساوي دائماً للفعل.
عندما يتصرّف الناس بشكل صحيح، بشكل طبيعي ينتج عن ذلك الجو المماثل،
وعندما يسود مثل هذا التأثير، تتأثر ميول الفرد به. وإذا، وفي مثل هذا جوّ
من النعمة والمجد، ينحرف الفرد في إتّباع الطريق الخاطئ، فيكون محمياً
بالتأثير غير المرئي للاستقامة التي تحيطه. وبالطريقة ذاته، عندما يفشل
الإنسان في جهوده، يكون العمل غير المرئي للطبيعة وراء ذلك الفشل. ولا يمكن
للإنسان أن يكشف بالتحليل المنطقي لماذا حدث ذلك الفشل. يجب عليه أن يرتفع
إلى مستوى آخر ويدرك عمل الطبيعة والقوّة خلف ذلك العمل. يجب أن يرتفع
ليفهم قوانين الطبيعة والقانون الكوني الذي يقع تحت كلّ شيء.
يخفق أرْجونا في فهم لماذا لم ينتج عن قراره في الامتناع عن القتال أية
نتيجة، ويستمرّ مشدوداً إلى المعركة. ليس لأنه في حالة من الإرباك، لكن
لأنه لم يبلغ الوضوح الفكري الذي يمكنه أن يؤمن للفرد البصيرة في طرق العمل
المعقّدة للطبيعة المتنوّعة.
وبالرغم من أن وعي أرْجونا صافياً، إلا أنه لم يغطس في الكينونة المطلقة
التي هي حقل القانون الكوني. لهذا السبب يخفق في رؤية بأنّه يعيش في جوّ
مشبع بالتأثير السيئ، الذي لا يمكن فيه للصلاح أن يبقى طويلاً. يحاول
أرْجونا الامتناع عن القتال من اعتبارات عائلية ودهارما الطائفة؛ إنه غير
مدرك للحالة المطلقة للدهارما التي تقوده قوّتها للقتال. وبالنتيجة يخفق في
رؤية سبب عدم قدرته على التصرّف طبقاً لمشاعره.
تقدّم الآية التالية حجّة أرْجونا عن كيف يصبح طريق التطور منطفئاً ويشهد
على قلقه على المجتمع.
الآية الأربعون
تضيع الدْهرْمات العائلية القديمة جداً
في دمار العائلة، وبضياع الدْهرْما
تسيطر الآدهارما على العائلة كلها.
الدْهرْمات هي جمع الدْهرْما، فهي يبيّن القوى المختلفة للطبيعة التي تدعم
السبل المختلفة في طريق التطور. إنها تأخذ التعبير كأنها أنماط معيّنة من
النشاط أو الطرق المختلفة من الاستقامة، التي تحفظ المجرى الكامل للحياة
بالتوافق – فتكون كلّ وجهة من أوجه الحياة متوازنة بشكل صحيح مع الأوجه
الأخرى – وتتحرك في اتّجاه التطور. وكلما تنتقل هذه الأنماط المعيّنة
للنشاط من جيل إلى جيل، تشكّل ما نسميه التقاليد. هذه التقاليد هي التي
يشار إليها هنا بالدهرمات العائلية.
"آدهارما" تعني غياب الدهارما. عندما تسود الآدهارما، تضيع القوة العظمى من
طبيعة، التي تحافظ على التوازن بين القوى الإيجابية والسلبية، و بذلك تعيق
عملية التطور.
يستعمل أرْجونا العبارة "قديمة جداً" لأن مثالية الحياة التي صمدت في
اختبار الزمن تمثّل الطريق الأصيل للتطور، التيار الصاعد في الطبيعة. لا
يدوم شيئاً معاكسا للتطور لمدة طويلة. لذلك، إن التقاليد التي حافظة على
بقائها عبر العصور قد أثبت بالتأكيد بأنّها التقاليد الصحيحة، والأقرب إلى
الحقيقة، والتي لمدى الحياة. لهذا السبب يخشى أرْجونا قطع هذا الطريق
للتطور عن الأجيال القادمة.
في عملية تحليل نوعية فعل القتال، يظهر أرْجونا بصيرة عميقة وعقل متطور
جداً. من الواضح أنّ تفكيره هو منطقيّ وصحيح جداً، وبأنّه بالتأكيد لا يجيء
من المستوى السطحي للوعي. قاعدته في الدهارما، القوّة الأساسية للتطور.
رؤية أرْجونا لم تكن محدّدة؛ تمتد حدود بصيرته بعيداً في المستقبل.
كونه رجل عظيم من زمانه، يقيس أرْجونا، قبل الالتزام بالتعهّد، تأثيره على
الأجيال اللاحقة. فقط مثل هذا الحالة المتعالية للوعي يمكنها أن تلهم ببزوغ
فجر الحكمة العظيمة على الأرض.
إن اهتمام أرْجونا الرئيسي هو في حفظ طريق التطور. بهذه النظرة يعطي القيمة
العظيمة للدهارما وللسلوك في المجتمع، الذي يدعمها والمؤيّد بواسطته.
يواصل أرْجونا حجّته في الآية التالية.
|